والثاني : أن اللام متعلّقة بما تعلق به خبر الكون ، إذ التقدير : فلا يكن حرج مستقرا في صدرك ، لأجل الإنذار ، كذا قاله الشيخ « 1 » عن ابن الأنباري ، فإنه قال : « وقال ابن الأنباري : التقدير : فلا يكن في صدرك حرج منه كي تنذر به ، فجعله متعلّقا بما تعلق به
« فِي صَدْرِكَ »
، وكذا علقه به صاحب النظم ، فعلى هذا لا تكون الجملة معترضة » . قلت : الذي نقله الواحدي عن نص ابن الأنباري في ذلك أن اللام متعلّقة بالكون ، وعن صاحب النظم ، أن اللام بمعنى « أن » ، وسنأتي بنصيهما إن شاء اللّه تعالى ، فيجوز أن يكون لهما كلامان .
الثالث : أنها متعلّقة بنفس الكون ، وهو مذهب ابن الأنباري ، والزمخشري ، وصاحب النظم على ما نقله الشيخ . قال أبو بكر بن الأنباري : « ويجوز أن تكون اللام صلة للكون على معنى : فلا يكن في صدرك شيء لتنذر ، كما يقول الرجل للرجل : لا تكن ظالما لتقضي صاحبك دينه ، فتحمل لام « كي » على « الكون » . وقال الزمخشري : « فإن قلت : بم تعلق به
« لِتُنْذِرَ »
؟ قلت : ب
« أُنْزِلَ »
، أي : أنزل لإنذارك به ، أو بالنهي ، لأنه إذا لم يخفهم أنذرهم ، وكذا إذا علم أنه من عند اللّه شجعه اليقين على الإنذار » .
قال الشيخ « 2 » : « فقوله : « بالنهي » ظاهره أنه يتعلق بفعل النهي فيكون متعلقا بقوله :
« فَلا يَكُنْ »
، وكان في تعليق المجرور والعمل في الظرف فيه خلاف ، ومبناه على أن « كان » الناقصة هل تدل على حدث أم لا ؟ فمن قال :
إنّها تدل على الحدث جوّز ذلك ، ومن قال : لا تدل عليه منعه » . قلت : فالزمخشري مسبوق إلى هذا الوجه ، بل ليس في عبارته ما يدل على أنه تعلق بيكون بل قال : بالنهي ، فقد يريد بما تضمنه من المعنى ، وعلى تقدير ذلك فالصحيح أن الأفعال الناقصة كلّها لها دلالة على الحدث إلّا « ليس » ، وقد أقمت على ذلك أدلة ، وأتيت من أقوال الناس بما يشهد لصحة ذلك ، كقول سيبويه وأحزابه في غير هذا الموضوع « 3 » . وقال صاحب النظم ، وفيه وجه آخر ، وهو أن تكون « اللام » بمعنى « أن » ، والمعنى : لا يضيق صدرك ولا يضعف عن أن تنذر به ، والعرب تضع هذه اللام في موضع « أن » كقوله تعالى :
يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ
« 4 » ، وفي موضع آخر :
لِيُطْفِؤُا
« 5 » فهما بمعنى واحد . قلت : هذا قول ساقط جدا ، كيف يكون حرف مختص بالأفعال يقع موقع آخر مختص بالأسماء ؟ قوله :
وَذِكْرى
يجوز أن يكون في محل رفع أو نصب أو جر ، فالرفع من وجهين ، أحدهما : أنها عطف على
« كِتابٌ »
، أي : كتاب وذكرى ، أي : تذكير ، فهي اسم مصدر ، وهذا قول الفراء .
والثاني - من وجهي الرفع - : أنها خبر مبتدأ مضمر ، أي : هو ذكرى ، وهذا قول أبي إسحاق . والنصب من ثلاثة أوجه :
أحدها : أنه منصوب على المصدر بفعل من لفظه ، تقديره : وتذكر ذكرى ، أي : تذكيرا .
والثاني : أنها في محل نصب نسقا على موضع
« لِتُنْذِرَ »
، فإنّ موضعه نصب ، فيكون إذ ذاك معطوفا على المعنى ، وهذا كما تعطف الحال الصريحة على الحال المؤولة ، كقوله تعالى :
دَعانا لِجَنْبِهِ أَوْ قاعِداً أَوْ قائِماً
« 6 » ، ويكون حينئذ مفعولا من أجله ، كما تقول : جئتك لتكرمني وإحسانا إليّ .
هامش
( 1 ) انظر البحر ( 4 / 266 ) .
( 2 ) انظر البحر ( 4 / 267 ) .
( 3 ) سورة يونس ، آية ( 2 ) .
( 4 ) سورة التوبة ، آية ( 32 ) .
( 5 ) سورة الصف ، آية ( 8 ) .
( 6 ) سورة يونس ، آية ( 12 ) .