تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — صفحة 165

مساهمون:

ص١٦٥
يصدق بمرة . وقيل : لأن « الحكم » لا يحكم إلّا بالعدل ، و « الحاكم » قد يجوز . وقوله :
« وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ »
هذه الجملة في محل نصب على الحال من فاعل
« أَبْتَغِي »
، و
« مُفَصَّلًا »
حال من
« الْكِتابَ »
. وقوله :
« وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ »
مبتدأ ، و
« يَعْلَمُونَ »
خبره ، والجملة مستأنفة . و
« مِنْ رَبِّكَ »
لابتداء الغاية مجازا . و
« بِالْحَقِّ »
حال من الضمير المستكن في
« مُنَزَّلٌ »
، أي : ملتبسا بالحق ، فالباء للمصاحبة . وقرأ ابن عامر وحفص عن عاصم
« مُنَزَّلٌ »
بتشديد الزاي ، والباقون بتخفيفها ، وقد تقدم « 1 » أن « أنزل ، ونزّل » لغتان ، أو بينهما فرق . قوله :
صِدْقاً وَعَدْلًا .
في نصبهما ثلاثة أوجه : أحدها : أن يكونا مصدرين في موضع الحال ، أي : تمت الكلمات صادقات في الوعد ، عادلات في الوعيد . الثاني : أنهما نصب على التمييز . قال ابن عطية : وهو غير صواب . وممن قال بكونه تمييزا الطبري ، وأبو البقاء . الثالث : أنهما نصب على المفعول من أجله ، أي : تمت لأجل الصدق والعدل الواقعين منهما ، وهو محل نظر ، ذكر هذا الوجه أبو البقاء . وقرأ الكوفيون هنا ، وفي يونس في قوله :
كَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا
« 2 » ،
إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ
« 3 » موضعان ، وفي غافر
وَكَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ
« 4 » :
« كَلِمَةُ »
بالأفراد . وافقهم ابن كثير وأبو عمرو على ما في يونس وغافر ، دون هذه السورة . والباقون بالجمع في المواضع الثلاثة . قال الشيخ « 5 » : قرأ الكوفيون هنا ، وفي يونس في الموضعين ، وفي المؤمن :
« كَلِمَةُ »
بالإفراد ، ونافع جميع ذلك « كلمات » بالجمع ، تابعه أبو عمر وابن كثير هنا . قلت : كيف نسي ابن عامر ؟ لا يقال : إنّه قد يكون أسقطه الناسخ ، وكان الأصل : ونافع وابن عامر ، لأنه قال : تابعه ، ولو كان كذلك لقال : تابعهما . ووجه الإفرا ، إرادة الجنس ، وهو نظير
رِسالَتَهُ
« 6 » و
رِسالاتِهِ
« 7 » . وقراءة الجمع ظاهرة ، لأن كلماته تعالى متنوعة بالنسبة إلى الأمر والنهي ، والوعد والوعيد ، وقد أجمع على الجمع في قوله :
لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ
« 8 » ،
وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ
« 9 » . وقوله :
لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ
يحتمل ألّا يكون لها محل من الإعراب ، وأن تكون جملة حالية من فاعل
« تَمَّتْ »
فإن قلت : فأين الرابط بين ذي الحال والحال ؟ فالجواب أن الربط حصل بالظاهر ، والأصل : لا مبدل لها ، وإنما أبرزت ظاهرة تعظيما لها ، ولإضافتها إلى لفظ الجلالة الشريفة . قال أبو البقاء : « ولا يجوز أن يكون حالا من
« رَبِّكَ »
لئلا يفصل بين الحال وصاحبها بالأجنبي ، وهو
« صِدْقاً وَعَدْلًا »
، إلا أن يجعل
« صِدْقاً وَعَدْلًا »
حالا من
« رَبِّكَ »
لا من « الكلمات » . قلت : فإنه إذا جعل
« صِدْقاً وَعَدْلًا »
حالا من
« رَبِّكَ »
لم يلزم منه فصل ، لأنهما حالان لذي حال . ولكنه قاعدته تمنع تعدد الحال لذي حال واحدة ، وتمنع أيضا مجيء الحال من المضاف إليه وإن كان
هامش
( 1 ) سورة آل عمران ، آية ( 3 ) . ( 2 ) آية ( 33 ) . ( 3 ) آية ( 96 ) . ( 4 ) آية ( 6 ) . ( 5 ) انظر البحر ( 4 / 209 ) . ( 6 ) من سورة المائدة ، آية ( 67 ) . ( 7 ) من سورة المائدة ، آية ( 124 ) . ( 8 ) سورة الأنعام ، آية ( 115 ) . ( 9 ) سورة الأنعام ، آية ( 34 ) .