تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — صفحة 590

مساهمون:

ص٥٩٠
قوله تعالى :
لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ :
قد تقدّم إعراب هذا في نحو قوله تعالى :
وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ
« 1 » ، فأغنى عن إعادته وقال ابن عطية : « اللام للابتداء » ، وليس بشيء ، بل هي لام يتلقّى بها القسم . و
« أَشَدَّ النَّاسِ »
مفعول أول ، و
« عَداوَةً »
نصب على التمييز . و
« لِلَّذِينَ »
متعلق بها ، قويت باللام لمّا كانت فرعا في العمل على الفعل ، ولا يضرّ كونها مؤنثة بالتاء لأنها مبنية عليها ، فهي كقوله :
1798 - . . . ورهبة * عقابك . . . « 2 »
ويجوز أن يكون
« لِلَّذِينَ »
صفة ل
« عَداوَةً »
فيتعلّق بمحذوف ، و
« الْيَهُودَ »
مفعول ثان . وقال أبو البقاء : « ويجوز أن يكون اليهود هو الأول ، و
« أَشَدَّ »
هو الثاني ، وهذا هو الظاهر ، إذ المقصود أن يخبر اللّه تعالى عن اليهود والمشركين بأنّهم أشدّ الناس عداوة للمؤمنين ، وعن النصارى بأنهم أقرب الناس مودة لهم وليس المراد أن يخبر عن أشدّ الناس وأقربهم بكونهم من اليهود والنصارى . فإن قيل : متى استويا تعريفا وتنكيرا وجب تقديم المفعول الأول وتأخير الثاني كما يجب في المبتدأ والخبر وهذا من ذاك . فالجواب : أنه إنما يجب ذلك حيث ألبس ، أما إذا دلّ على ذلك جاز التقديم والتأخير ، ومنه قوله :
1799 - بنونا بنو أبنائنا ، وبباتنا * بنوهنّ أبناء الرّجال الأباعد « 3 »
ف « بنو أبناء » هو المبتدأ ، و « بنونا » خبره ، لأنّ المعنى على تشبيه أولاد الأبناء بالأبناء ، ومثله قول الآخر :
1800 - قبيلة ألأم الأحياء أكرمها * وأغدر الناس بالجيران وافيها « 4 »
« أكرمها » هو المبتدأ ، و « ألأم الأحياء » خبره ، وكذا « وافيها » مبتدأ و « أغدر الناس » خبره ، والمعنى على هذا ، والآية من هذا القبيل فيما ذكرت لك . وقوله :
وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا
عطف على اليهود ، والكلام على الجملة الثانية كالكلام على ما قبلها . و
« ذلِكَ بِأَنَّ »
مبتدأ وخبر ، وتقدم تقريره ، و
« مِنْهُمْ »
خبر « أنّ » و
« قِسِّيسِينَ »
اسمها ، وأن واسمها وخبرها في محل جرّ بالباء ، والباء ومجرورها ههنا خبر
« ذلِكَ »
. والقسيسين جمع « قسّيس » على فعّيل ، وهو مثال مبالغة ك « صدّيق « 5 » » وقد تقدّم ، وهو هنا رئيس النصارى وعابدهم ، وأصله من تقسّس الشيء إذا تتّبعه وطلبه بالليل ، يقال : « تقسّست أصواتهم » أي : تتبّعتها بالليل ، ويقال لرئيس النصارى : قسّ وقسّيس ، وللدليل بالليل : قسقاس وقسقس ، قاله الراغب ، وقال غيره : القسّ بفتح القاف تتبّع الشيء ، ومنه سمّي عالم النصارى لتتبّعه العلم . قال رؤبة بن العجاج :
1801 - أصبحن عن قسّ الأذى غوافلا * يمشين هونا خردا بهاللا « 6 »
ويقال : قسّ الأثر وقصّه بالصاد أيضا ، ويقال : قسّ وقسّ بفتح القاف وكسرها ، وقسّيس . وزعم ابن عطية أنه
هامش
( 1 ) سورة البقرة ، الآية ( 96 ) . ( 2 ) تقدم . ( 3 ) البيت للفرزدق انظر ديوانه ( 217 ) ، ابن يعيش ( 1 / 99 ) ، الخزانة ( 1 / 213 ) ، الإنصاف ( 66 ) ، الدرر اللوامع ( 1 / 76 ) . ( 4 ) البيت لحسان بن ثابت انظر ديوانه ( 216 ) ، الهمع ( 1 / 102 ) ، الدرر ( 1 / 76 ) . ( 5 ) تفسير سورة المائدة ، الآية ( 75 ) . ( 6 ) انظر ديوانه ( 2 / 121 ) .
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — صفحة 590 | أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي ) / علي محمد معوض / عادل أحمد عبد الموجود / جاد مخلوف جاد / زكريا عبد المجيد النوتي / أحمد محمد صيرة