تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — صفحة 588

مساهمون:

ص٥٨٨
وقوله تعالى :
لَبِئْسَ ما
و « بئسما قدّمت » قد تقدّم إعراب نظير ذلك « 1 » فلا حاجة إلى إعادته ، وهنا زيادة أخرى لخصوص التركيب وستعرفها . قوله :
أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ
في محلّه أوجه . أحدها : أنه مرفوع على البدل من المخصوص بالذم ، والمخصوص قد حذف وأقيمت صفته مقامه فإنك تعرب
« ما »
اسما تاما معرفة في محلّ رفع بالفاعلية بفعل الذمّ والمخصوص بالذمّ محذوف ، و
« قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ »
جملة في محلّ رفع صفة له ، والتقدير : لبئس الشيء شيء قدّمته لهم أنفسهم ، ف
« أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ »
بدل من « شيء » المحذوف ، وهذا هو مذهب سيبويه « 2 » كما تقدّم تقريره . الثاني : أنه هو المخصوص بالذمّ فيكون فيه ثلاثة الأوجه المشهورة ، أحدهما : أنه مبتدأ والجملة قبله خبره ، والرابط على هذا العموم عند من يجعل ذلك ، أو لا يحتاج إلى رابط لأن الجملة عين المبتدأ . الثاني : أنه خبر مبيدإ محذوف لأنك لمّا قلت : « بئس الرجل » قيل لك : من هو ؟ فقلت : فلان ، أي : هو فلان . الثالث : أنه مبتدأ خبره محذوف ، وقد تقدّم تحرير ذلك ، وإلى كونه مخصوصا بالذمّ ذهب جماعة كالزمخشري ، ولم يذكر غيره ، قال :
« أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ »
هو المخصوص بالذمّ كأنه قيل : لبئس زادهم إلى الآخرة سخط اللّه عليهم ، والمعنى : موجب سخط اللّه » . قلت : وفي تقدير هذا المضاف من المحاسن ما لا يخفى على متأمّله ، فإنّ نفس السخط المضاف إلى الباري تعالى لا يقال هو المخصوص بالذم ، إنما المخصوص بالذم أسبابه ، وذهب إليه أيضا الواحدي ومكي وأبو البقاء ، إلّا أنّ الشيخ « 3 » بعد أن حكى هذا الوجه عن أبي القاسم الزمخشري قال : « ولم يصحّ هذا الإعراب إلا على مذهب الفراء والفارسي في جعل
« ما »
موصولة ، أو على مذهب من يجعل
« ما »
تمييزا ، و
« قَدَّمَتْ لَهُمْ »
صفتها ، وأمّا على مذهب سيبويه فلا يتأتّى ذلك ثم ذكر مذهب سيبويه . والوجه الثالث : من أوجه
« أَنْ سَخِطَ »
: أنه في محل رفع على البدل من
« ما »
وإلى ذلك ذهب مكي وابن عطية ، إلا أن مكّيّا حكاه عن غيره ، قال : « وقيل : في موضع رفع على البدل من « ما » في
« لَبِئْسَ »
على أنها معرفة » . قال الشيخ « 4 » - بعد ما حكى هذا الوجه عن ابن عطية - : « ولا يصحّ هذا سواء كانت « ما » تامة أو موصولة لأنّ البدل يحلّ محلّ المبدل منه ، و
« أَنْ سَخِطَ »
لا يجوز أن يكون فاعلا ل « بئس » لأنّ فاعل « بئس » لا يكون أن والفعل » وهو إيراد واضح كما قاله . الوجه الرابع : أنه في محلّ نصب على البدل من
« ما »
إذا قيل بأنها تمييز ، ذكر ذلك مكي وأبو البقاء ، وهذا لا يجوز البتة ، وذلك لأنّ شرط التمييز عند البصريين أن يكون نكرة ، و
« أَنْ »
وما في حيّزها عندهم من قبيل أعرف المعارف لأنّها تشبه المضمر ، وقد تقدم تقرير ذلك فكيف يقع تمييزا لأنّ البدل يحلّ المبدل منه ؟ وعند الكوفيين أيضا لا يجوز ذلك لأنّهم لا يجيزون التمييز بكلّ معرفة خصوصا أن والفعل . الخامس : أنه في محلّ نصب علي البدل من الضمير المنصوب ب
« قَدَّمَتْ »
العائد على
« ما »
الموصولة أو
هامش
( 1 ) تفسير سورة البقرة ، الآية ( 90 ) . ( 2 ) انظر الكتاب ( 1 / 476 ) . ( 3 ) انظر البحر المحيط ( 3 / 541 ) . ( 4 ) انظر البحر المحيط ( 3 / 541 ) .