تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — صفحة 593

مساهمون:

ص٥٩٣
أظهرهما : أنّ محلّها الرفع نسقا على خبر
« أَنَّهُمْ »
الثانية ، وهو
« لا يَسْتَكْبِرُونَ »
أي : ذلك بأنّ منهم كذا وأنهم غير مستكبرين وأنهم إذا سمعوا ، فالواو عطفت مفردا على مثله . والثاني : أنّ الجملة استئنافية أي : أنه تعالى أخبر عنهم بذلك . والضمير في
« سَمِعُوا »
ظاهره أن يعود النصارى المتقدّمين لعمومهم ، وقيل : إنما يعود لبعضهم وهم من جاء من الحبشة إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم . قال ابن عطية : لأنّ كلّ النصارى ليسوا كذلك » . و
« ما »
في
« ما أُنْزِلَ »
تحتمل الموصولة والنكرة الموصوفة ، و
« تَرى »
بصرية ، فيكون قوله
« تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ »
جملة في محلّ نصب على الحال . وقرىء « 1 » شاذا : « ترى » بالبناء للمفعول ،
« أَعْيُنَهُمْ »
رفعا ، وأسند الفيض إلى الأعين مبالغة ، وإن كان الفائض إنما هو دمعها لا هي ، كقول امرئ القيس :
1810 - ففاضت دموع العين منّي صبابة * على النّحر حتّى بلّ دمعي محملي « 2 »
والمراد المبالغة في وصفهم بالبكاء ، أو يكون المعنى أنّ أعينهم تمتلئ حتى تفيض ، لأنّ الفيض ناشىء عن الامتلاء كقوله :
1811 - قوارص تأتيني وتحتقرونها * وقد يملأ الماء الإناء فيفعم « 3 »
وإلى هذين المعنيين نحا أبو القاسم ، فإنه قال : « فإن قلت : ما معنى
« تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ »
؟ قلت : معناه تمتلئ من الدمع حتى تفيض ، لأنّ الفيض أن يمتلئ الإناء حتى يطلع ما فيه من جوانبه ، فوضع الفيض الذي هو من الامتلاء موضع الامتلاء ، وهو من إقامة المسبب مقام السبب ، أو قصدت المبالغة في وصفهم بالبكاء ، فجعلت أعينهم كأنها تفيض بأنفسها ، أي : تسيل من الدمع من أجل البكاء من قولك : « دمعت عينه دمعا » . و
« مِنَ الدَّمْعِ »
فيه أربعة أوجه . أحدهما : أنه متعلّق ب
« تَفِيضُ »
، ويكون معنى
« مِنَ »
ابتداء الغاية ، والمعنى : تفيض من كثرة الدمع . والثاني : أنه متعلق بمحذوف على أنه حال من الفاعل في
« تَفِيضُ »
قالهما أبو البقاء ، وقدّر الحال بقولك : « مملوءة من الدمع » وفيه نظر ، لأنه كون مقيد ، ولا يجوز ذلك ، فبقي أن يقدّر كونا مطلقا أي : تفيض كائنة من الدمع ، وليس المعنى على ذلك ، فالقول بالحالية لا ينبغي . فإن قيل : هل يجوز عند الكوفيين أن يكون
« مِنَ الدَّمْعِ »
تمييزا ، لأنهم لا يشترطون تنكير التمييز ، والأصل : تفيض دمعا ، كقولك : « تفقّأ زيد شحما » ، فهو من المنتصب عن تمام الكلام ؟ فالجواب أن ذلك لا يجوز ، لأنّ التمييز إذا كان منقولا من الفاعلية امتنع دخول « من » عليه ، وإن كانت مقدرة معه ، فلا يجوز : « تفقّأ زيد من شحم » ، وهذا - كما رأيت - مجرور ب « من » ، فامتنع أن يكون تمييزا ، إلا أن أبا القاسم في سورة براءة « 4 » جعله تمييزا في قوله تعالى : « تولّوا وأعينهم تفيض من الدمع » ، ولا بد من نقل
هامش
( 1 ) انظر البحر ( 4 / 6 ) . ( 2 ) انظر ديوانه ( 9 ) ، شرح القصائد للتبريزي ( 85 ) . ( 3 ) انظر ديوانه ( 657 ) ابن يعيش ( 1 / 21 ) ، الكامل ( 18 ) ، - - اللسان ( قرص ) ، البحر ( 4 / 5 ) . ( 4 ) انظر تفسير الآية ( 92 ) .