تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — صفحة 58

مساهمون:

ص٥٨
الصحيح فالمعتلّ أولى ألّا يوجد فيه . وأجاب البصريون عن قولهم بأنه لا نظير له في الصحيح بأنّ قضاة في جمع « قاض » لا نظير له في الصحيح . وتفسير هذا الجواب أنّا لا نسلّم أنّ المعتل يلزم أن يكون له نظير من الصحيح ، ويدل على عدم التلازم : « قضاة » جمع قاض ، وفي « قضاة » خلاف طويل ليس هذا موضع ذكره . واعترض البصريون عليهم بأنه لو كان وزنه فعيلا لوجب أن يصحّ كما صحّت نظائره من ذوات الواو نحو : طويل وعويل وقويم ، فحيث اعتلّ بالقلب والإدغام ، امتنع أن يدّعى أنّ أصله فعيل لمخالفة نظائره . وهو ردّ حسن . قوله :
وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ
يجوز أن تكون الباء للحال من الفاعل أي : ترزقه وأنت لم تحاسبه ، أي : لم تضيّق عليه ، أو من المفعول أي : غير مضيّق عليه . وقد تقدّم الكلام على مثل هذا مشبعا في البقرة عند قوله تعالى :
وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ
« 1 » فأغنى عن إعادته . واشتملت هذه الآية على أنواع من البديع ، منها : التجنيس المماثل في قوله :
« مالِكَ الْمُلْكِ »
« تُؤْتِي الْمُلْكَ
،
وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ »
ومنها : الطباق وهو الجمع بين متضادّين أو شبههما ، وذلك في قوله :
« تُؤْتِي الْمُلْكَ
وَتَنْزِعُ
» وفي
« تُعِزُّ
وَتُذِلُّ
» ، وفي قوله :
« بِيَدِكَ الْخَيْرُ »
أي : والشرّ عند بعضهم ، وفي قوله :
« اللَّيْلَ
و
النَّهارِ
» وفي قوله :
« الْحَيَّ
و
الْمَيِّتِ
» . ومنها : ردّ الأعجاز على الصدور ، والصدور على الأعجاز في قوله :
« تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَتُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ »
وفي قوله :
وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ
ونحوه : عادات السادات سادات العادات » . وتضمّنت من المعاني التوكيد : بإيقاع الظاهر موقع المضمر في قوله :
« تُؤْتِي الْمُلْكَ
إلخ » وفي تجوّزه بإيقاع الحرف مكان ما هو بمعناه ، والحذف لفهم المعنى .

[ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 28 ]

لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ ( 28 ) قوله تعالى :
لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ :
العامّة على قراءته نهيا ، وقرأ الضبي :
« لا يَتَّخِذِ »
برفع الدال نفيا بمعنى لا ينبغي ، أو هو خبر بمعنى النهي نحو :
لا تُضَارَّ والِدَةٌ
« 2 » و
لا يُضَارَّ كاتِبٌ
« 3 » فيمن رفع الراء . قال أبو البقاء وغيره : « وأجاز الكسائي رفع الراء على الخبر ، والمعنى : لا ينبغي » وهذا موافق لما قاله الفراء ، فإنه قال : « ولو رفع على الخبر كقراءة من قرأ : « لا تضارّ والدة جاز » . قال أبو إسحق : « ويكون المعنى على الرفع أنه من كان مؤمنا فلا ينبغي أن يتّخذ الكافر وليا » كأنهما لم يطّلعا على قراءة الضبّي ، أو لم تثبت عندهما . و
« يَتَّخِذِ »
يجوز أن تكون المتعدية لواحد فيكون
« أَوْلِياءَ »
حالا ، وأن تكون المتعدية لاثنين ، و
« أَوْلِياءَ »
هو الثاني . قوله :
مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ
فيه وجهان : أظهرهما : أنّ
« مِنْ »
لابتداء الغاية ، وهي متعلقة بفعل الاتّخاذ . قال علي بن عيسى : « أي : لا تجعلوا ابتداء الولاية من مكان دون مكان المؤمنين » وقد تقدّم تحقيق هذا عند قوله تعالى :
وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ
« 4 » في البقرة .
هامش
( 1 ) سورة البقرة ، آية ( 212 ) . ( 2 ) سورة البقرة ، آية ( 233 ) . ( 3 ) سورة البقرة ، آية ( 282 ) . ( 4 ) سورة البقرة ، آية ( 23 ) .