يَفْعَلْ ذلِكَ »
وجوابه معترض بين العلة ومعلولها .
وفي قوله :
إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا
التفات من غيبة إلى خطاب ، ولو جرى على سنن الكلام الأول لجاء بالكلام غيبة ، وأبدوا للالتفات هنا معنى حسنا : وذلك أن موالاة الكفار لمّا كانت مستقبحة لم يواجه اللّه عباده بخطاب النهي ، بل جاء به في كلام أسند الفعل المنهيّ عنه لغيب ، ولمّا كانت المجاملة في الظاهر والمحاسنة جائزة لعذر وهو اتّقاء شرّهم حسن الإقبال إليهم وخطابهم برفع الحرج عنهم في ذلك .
قوله :
تُقاةً
في نصبها ثلاثة أوجه وذلك مبنيّ على تفسير
« تُقاةً »
ما هي ؟
أحدها : أنها منصوبة على المصدر والتقدير : تتّقوا منهم اتقاء ، فتقاة واقعة موقع الاتقاء ، والعرب تأتي بالمصادر نائبة عن بعضها ، والأصل : أن تتقوا اتقاء ، نحو : تقتدروا اقتدارا ، ولكنهم أتوا بالمصدر على حذف الزوائد كقوله :
أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً
« 1 » والأصل : إنبات ، ومثله :
1228 - . . . * وبعد عطائك المئة الرّتاعا « 2 »
أي : إعطائك ، ومن ذلك أيضا قوله :
1229 - . . . * وليس بأن تتبعه اتّباعا « 3 »
قول الآخر :
1230 - ولاح بجانب الجبلين منه * ركام يحفر الأرض احتفارا « 4 »
وهكذا عكس الآية ، إذ جاء بالمصدر مزادا فيه ، والفعل الناصب له مجرّد من تلك الزوائد . ومن مجيء المصدر على غير المصدر قوله تعالى :
وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا
« 5 » ، والأصل : تبتّلا ، ومثله :
1231 - وقد تطوّيت انطواء الخصب « 6 »
والأصل : تطوّيا ، وأصل تقاة : « وقية » مصدر على فعل من الوقاية ، وقد تقدّم تفسير هذه المادة في أول هذا الموضوع ، ثم أبدلت الواو تاء ، ومثلها تخمة وتكاة وتجاه ، وتحرّكت الواو وانفتح ما قبلها فقلبت ألفا ، فصار اللفظ
هامش
( 1 ) سورة نوح ، آية ( 17 ) .
( 2 ) تقدم .
( 3 ) البيت للقطامي انظر ديوانه ( 40 ) ، الكتاب 4 / 82 ، ابن يعيش 1 / 111 ، الخصائص 2 / 309 ، امالي الشجري 2 / 141 ، الخزانة 1 / 392 .
وهو عجز بيت صدره :وخير الأمر ما استقبلت منه * . . .والمعنى أن خير الأمر ما استقبلت وتدبرت أوله فعرفت إلام تئول عاقبته وشره ما ترك النظر في أوله وتتبعت أواخره .
( 4 ) انظر البيت في البحر المحيط 2 / 424 .
( 5 ) سورة المزمل ، آية ( 8 ) .
( 6 ) البيت لرؤبة انظر ديوانه ( 16 ) ، الكتاب 4 / 82 ، المخصص 8 / 110 ، ابن يعيش 1 / 112 ، الهمع 1 / 187 ، ابن الشجري 2 / 141 ، الخصب بالكسر : الذكر الضخم من الحيات ، أو حية دقيقة . وبعده :بين قتاد ردهة وشقب * بعد مديد الجسم مصلهبوالشاهد فيه أن يكون الانطواء مصدرا لتطوى ؛ لأن المعنى واحد .