والثاني : أجازه أبو البقاء أن يكون في موضع نصب صفة لأولياء ، فعلى هذا يتعلّقبمحذوف قوله :
وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ
أدغم الكسائي في رواية الليث عنه اللام في الذال هنا ، وفي مواضع أخر تقدّم التنبيه عليها وعلى علتها في سورة البقرة .
قوله :
مِنَ اللَّهِ
أنّه في محلّ نصب على الحال من
« شَيْءٍ »
لأنه لو تأخّر لكان صفة له . و
« فِي شَيْءٍ »
هو خبر ليس ، لأن به تستقلّ فائدة الإسناد ، والتقدير : فليس في شيء كائن من اللّه ، ولا بد من حذف مضاف أي : فليس من ولاية اللّه ، وقيل : من دين اللّه . ونظّر بعضهم الآية الكريمة ببيت النابغة :
1227 - إذا حاولت في أسد فجورا * فإنّي لست منك ولست منّي « 1 »
قال الشيخ : « وهذا التنظير ليس بجيد ، لأنّ « منك » و « مني » خبر « ليس » ، تستقل به الفائدة ، وفي الآية : الخبر قوله
« فِي شَيْءٍ »
فليس البيت كالآية » .
وقد نحا ابن عطية هذا المنحى الذي ذكرته عن بعضهم فقال :
« فليس من اللّه في شيء مرضيّ على الكمال والصواب ، وهذا كما قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « من غشّنا فليس منا » « 2 » وفي الكلام حذف مضاف تقديره : فليس من التقرّب إلى اللّه والثواب ونحو هذا ، وقوله :
« فِي شَيْءٍ »
هو في موضع نصب على الحال من الضمير الذي في قوله : « ليس من اللّه » .
قال الشيخ « 3 » : « وهو كلام مضطرب ، لأنّ تقديره : فليس من التقرب إلى اللّه يقتضي ألّا يكون
« مِنَ اللَّهِ »
خبرا لليس ، إذ لا يستقلّ ، وقوله :
« فِي شَيْءٍ »
هو في موضع نصب على الحال يقتضي ألّا يكون خبرا ، فتبقى « ليس » على قوله ليس لها خبر ، وذلك لا يجوز ، وتشبيهه الآية الكريمة بقوله عليه السّلام : « من غشّنا فليس منا » ليس بجيد ؛ لما بيّنّا من الفرق بين بيت النابغة وبين الآية الكريمة » .
قلت : قد يجاب عن قوله : « إنّ
« مِنَ اللَّهِ »
لا يكون خبرا لعدم الاستقلال » بأنّ في الكلام حذف مضاف ، تقديره :
فليس من أولياء اللّه ، أوليس ، لأنّ اتخاذ الكفار أولياء ينافي ولاية اللّه تعالى ، وكذا قول ابن عطية : فليس من التقرب أي : من أهل التقرب ، وحينئذ يكون التنظير بين الآية والحديث وبيت النابغة مستقيما بالنسبة إلى ما ذكر ، ونظير تقدير المضاف هنا قوله تعالى :
فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي
« 4 » أي : من أشياعي وأتباعي ، وكذا قوله تعالى :
وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي
« 5 » ، وقول العرب : « أنت مني فرسخين » أي : من أشياعي ، ما سرنا فرسخين . ويجوز أن يكون
« مِنَ اللَّهِ »
هو خبر ليس ، و
« فِي شَيْءٍ »
يكون حالا من الضمير في « ليس » كما ذهب إليه ابن عطية تصريحا ، وغيره إيماء ، وقد تقدّم اعتراض الشيخ عليهما وجوابه .
قوله :
إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا
هذا استثناء مفرغ من المفعول « من أجله ، والعامل فيه : لا يتّخذ أي » . لا يتّخذ المؤمن الكافر وليّا لشيء من الأشياء إلا للتّقيّة ظاهرا ، أي يكون مواليه في الظاهر ومعاديه في الباطن ، وعلى هذا فقوله :
« وَمَنْ
هامش
( 1 ) تقدم .
( 2 ) أخرجه مسلم 1 / 99 ، كتاب الايمان ( 164 - 101 ) ، وأخرجه في المسند 3 / 498 ، والبيهقي في السنن 5 / 255 ، والدارمي 2 / 248 ، والحاكم في المستدرك 2 / 9 ، والطبراني في الكبير 10 / 169 ، وابن حبان ( 1107 ) ، والخطيب في التاريخ 3 / 178 ، وأبو نعيم في الحلية 4 / 189 .
( 3 ) انظر البحر المحيط 2 / 423 .
( 4 ) سورة إبراهيم ، آية ( 5 ) .
( 5 ) سورة البقرة ، آية ( 6 ) .