قوله تعالى :
ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ :
مبتدأ وخبر تقديره : ذلك مستحق بما قدّمت ، كذا قدره أبو البقاء ، وفيه نظر تقدّم مثله . و « ما » يجوز فيها أن تكون موصولة وموصوفة . و
« ذلِكَ »
إشارة إلى ما تقدّم من عقابهم . وهذه الجملة تحتمل وجهين :
أحدهما : أن تكون في محل نصب بالقول عطفا على « ذوقوا » كأنه قيل : ونقول لهم أيضا : ذلك بما قدّمت أيديكم ، وبّخوا بذلك ، وذكر لهم السبب الذي أوجب لهم العقاب .
والثاني : ألّا تكون داخلة في حكاية القول ، بل تكون خطابا لمعاصري رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يوم نزول الآية ، وذكرت الأيدي لأن أكثر الأعمال تزاول بها .
قوله :
وَأَنَّ اللَّهَ
عطف على « ما » المجرورة بالباء أي : ذلك العقاب حاصل بسبب كسبكم وعدم ظلمه لكم .
وهنا سؤال : وهو أن « ظلّاما » صيغة مبالغة تقتضي التكثير ، فهي أخصّ من « ظالم » ، ولا يلزم من نفي الأخصّ نفي الأعمّ ، فإذا قلت : « زيد ليس بظلّام » أي : ليس يكثر الظلم ، مع جواز أن يكون ظالما ، وإذا قلت : « ليس بظالم » انتفى الظلم من أصله ، فكيف قال تعالى :
« لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ »
؟ وفي ذلك خمسة أوجه ، ذكر أبو البقاء منها أربعة :
الأول : أن « فعّالا » قد لا يراد به التكثير كقول طرفة :
1508 - ولست بحلّال التّلاع لبيته * ولكن متى يسترفد القوم أرفد « 1 »
لا يريد هنا أنه قد يحلّ التلاع قليلا ؛ لأنّ ذلك يدفعه آخر البيت الذي يدلّ على نفي البخل على كلّ حال ، وأيضا تمام المدح لا يحصل بإرادة الكثرة .
الثاني : أنه للكثرة ، ولكنه لمّا كان مقابلا بالعباد وهم كثيرون ناسب أن يقابل الكثير بالكثير .
والثالث : أنه إذا نفى الظلم الكثير انتفى القليل ضرورة ؛ لأن الذي يظلم إنما يظلم لانتفاعه بالظلم ، فإذا ترك الظلم الكثير مع زيادة نفعه في حقّ من يجوز عليه النفع والضّرّ كان للظلم القليل المنفعة أترك .
الرابع : أن يكون على النسب أي : لا ينسب إليه ظلم ، فيكون من باب : بزّار وعطّار ، كأنه قيل : ليس بذي ظلم البتة .
الخامس : قال القاضي أبو بكر : « العذاب الذي توعّد أن يفعله بهم لو كان ظلما لكان عظيما فنفاه على حدّ عظمته لو كان ثابتا » .
وقال الراغب - بعد تفرقته بين جمعي « عبد » على عبيد وعباد - : فالعبد إذا أضيف إلى اللّه تعالى أعمّ من العباد ، ولهذا قال :
« وَما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ »
فنبّه على أنه لا يظلم من تخصّص بعبادته ومن انتسب إلى غيره من الذين تسمّوا بعبد الشمس وعبد اللات » ، وكان الراغب قد قدّم الفرق بين « عبيد » و « عباد » فقال : « وجمع العبد الذي هو مسترقّ : « عبيد » ،
هامش
( 1 ) تقدم .