وأمّا قراءة الجماعة فيجوز فيها أن يكون الفعل مسندا إلى ضمير غائب : إمّا الرسول أو حاسب ما ، ويجوز أن يكون مسندا إلى
« الَّذِينَ »
، فإن كان مسندا إلى ضمير غائب ف
« الَّذِينَ »
مفعول أول على حذف مضاف كما تقدّم ذلك في قراءة حمزة أي : بخل الذين ، والتقدير : ولا يحسبنّ الرسول - أو أحد - بخل الذين يبخلون خيرا . و
« هُوَ »
فصل كما تقدّم ، فتتحد القراءتان معنى وتخريجا . وإن كان مسندا ل
« الَّذِينَ »
ففي المفعول الأول وجهان :
أحدهما : أنه محذوف لدلالة
« يَبْخَلُونَ »
عليه كأنه قيل : « ولا يحسبنّ الباخلون بخلهم هو خيرا لهم » و
« هُوَ »
فصل . قال ابن عطية : ودلّ على هذا البخل
« يَبْخَلُونَ »
كما دلّ « السّفه » في قوله :
1507 - إذا نهي السّفيه جرى إليه * وخالف والسّفيه إلى خلاف « 1 »
أي : جرى إلى السفه » .
قال الشيخ « 2 » : « وليست الدلالة فيها سواء لوجهين :
أحدهما : أنّ دلالة الفعل على المصدر أقوى من دلالة اسم الفاعل عليه وأكثر ، ولا يوجد ذلك إلا في هذا البيت أو غيره إن ورد .
الثاني : أنّ البيت فيه إضمار لا حذف ، والآية فيها حذف .
الوجه الثاني : أنّ المفعول نفس « هو » ، وهو ضمير البخل الذي دلّ عليه
« يَبْخَلُونَ »
كقوله :
اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى
« 3 » ، قاله أبو البقاء ، وهو غلط أيضا ؛ لأنه ينبغي أن يأتي به بصيغة المنصوب فيقول : « إياه » لكونه منصوبا ب
« يَحْسَبَنَّ »
، ولا ضرورة بنا إلى أن ندّعي أنه من باب استعارة ضمير الرفع مكان النصب كقولهم « ما أنا كأنت ، ولا أنت كأنا » فاستعار ضمير الرفع مكان ضمير الجر .
وفي الآية وجه آخر غريب خرّجه الشيخ « 4 » قال : « وهو أن تكون المسألة من باب الإعمال إذا جعلنا الفعل مسندا ل
« الَّذِينَ »
، وذلك أنّ
« يَحْسَبَنَّ »
يطلب مفعولين و
« يَبْخَلُونَ »
يطلب مفعولا بحرف جر ، فقوله : « ما آتاهم اللّه من فضله » يطلبه
« يَحْسَبَنَّ »
مفعولا أول ويكون
« هُوَ »
فضلا ، و
« خَيْراً »
المفعول الثاني ، ويطلبه
« يَبْخَلُونَ »
بتوسّط حرف الجر ، فأعمل الثاني - على الأفصح وعلى ما جاء في القرآن - وهو
« يَبْخَلُونَ »
فعدّي بحرف الجر ، وأخذ معموله ، وحذف معمول
« يَحْسَبَنَّ »
الأول وبقي معموله الثاني ، لأنه لم يتنازع فيه ، وإنما جاء التنازع في الأول ، وساغ حذفه وحده كما ساغ حذف المفعولين في مسألة سيبويه « 5 » : « متى رأيت أو قلت : زيد منطلق » ف « رأيت » و « قلت » : تنازعا فيه « زيد منطلق » وفي الآية لم يتنازعا إلا في الأول ، وتقدير المعنى : « ولا يحسبنّ ما آتاهم اللّه من فضله هو خيرا لهم الناس الذين يبخلون به » فعلى هذا التقدير يكون
« هُوَ »
فصلا ل « ما آتاهم » المحذوف لا لبخلهم المقدّر في قول الجماعة ، ونظير هذا التركيب : « ظنّ الذي مرّ بهند هي المنطلقة » المعنى : ظنّ هندا الشخص الذي مرّ بها هي المنطلقة » فالذي تنازعه الفعلان هو المفعول الأول ، فأعمل الفعل الثاني فيه ، وبقي الأول يطلبه محذوفا ويطلب الثاني مثبتا إذ لم يقع فيه التنازع . انتهى .
هامش
( 1 ) تقدم .
( 2 ) انظر البحر المحيط 3 / 128 .
( 3 ) سورة المائدة ، آية ( 8 ) .
( 4 ) انظر البحر المحيط 3 / 128 .
( 5 ) انظر الكتاب 1 / 41 .