تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — صفحة 276

مساهمون:

ص٢٧٦
بناء مستقل ، قالوا ولم يجئ فعلان إلا اسما وهو قليل نحو : « سلطان » . قلت : أمّا ابن عطية فمسلّم أنه وهم في النقل عن سيبويه في « سلطان » خاصة ، ولكنّ قوله في « قربان » صحيح لأنّ أهل التصريف لم يستثنوا إلا السّلطان . والقربان في الأصل مصدر ثم سمّي به المفعول كالرّهن فإنه في الأصل مصدر ولا حاجة إلى حذف مضاف . وزعم أبو البقاء أنه على حذف مضاف أي : بتقريب قربان ، قال : « أي يشرّع لنا ذلك » . و
« تَأْكُلُهُ النَّارُ »
صفة لقربان ، وإسناد الأكل إليها مجاز عبّر عن إفنائها الأشياء بالأكل . و
« مِنْ قَبْلِي »
و
« بِالْبَيِّناتِ »
كلاهما متعلّق ب
« جاءَكُمْ »
، والباء تحتمل المعية والتعدية أي : مصاحبين للآيات .

[ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 184 إلى 185 ]

فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جاؤُ بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتابِ الْمُنِيرِ ( 184 ) كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ مَتاعُ الْغُرُورِ ( 185 ) قوله تعالى :
فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ :
ليس جوابا للشرط ، بل الجواب محذوف أي : « فتسلّ » ونحوه ، لأنّ هذا قد مضى وتحقّق ، وفيه كلام طويل تقدّم لك نظيره . والجملة من
« جاؤُ »
في محلّ رفع صفة ل
« رُسُلٌ »
و
« مِنْ قَبْلِكَ »
متعلق ب
« كُذِّبَ »
. والباء في
« بِالْبَيِّناتِ »
تحتمل الوجهين كنظيرتها . وقرأ جمهور الناس :
« وَالزُّبُرِ وَالْكِتابِ »
من غير ذكر باء الجر ، وقرأ ابن عامر : « وبالزبر » بإعادتها ، وهشام وحده عنه : « وبالكتاب » بإعادتها أيضا ، وهي في مصاحف الشاميين كقراءة ابن عامر - رحمه اللّه - . والخطب فيه سهل ، فمن لم يأت بها اكتفى بالعطف ، ومن أتى بها كان ذلك تأكيدا . والزّبر : جمع زبور بالفتح ، ويقال : زبور بالضم أيضا ، وهل هما بمعنى واحد أو مختلفان ؟ سيأتي الكلام عليهما في قوله :
« وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً »
في النساء « 1 » . واشتقاق اللفظة من « زبرت » أي : كتبت ، وزبرته قرأته ، وزبرته : حسّنت كتابته ، وزبرته : زجرته ، فزبور بالفتح فعول بمعنى مفعول كالرّكوب بمعنى المركوب ، والحلوب بمعنى المحلوب ، قال امرؤ القيس :
1509 - لمن طلل أبصرته فشجاني * كخطّ زبور في عسيب يماني « 2 »
وقيل : اشتقاق اللفظ من الزّبرة ، وهي قطعة الحديد المتروكة بحالها . و « المنير » اسم فاعل من أنار أي : أضاء . قوله تعالى :
كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ :
مبتدأ وخبر ، وسوّغ الابتداء بالنكرة العموم أو الإضافة . والجمهور على
« ذائِقَةُ الْمَوْتِ »
. بخفض
« الْمَوْتِ »
بالإضافة ، وهي إضافة غير محضة لأنّها في نية الانفصال . وقرأ اليزيدي : « ذائقة الموت » بالتنوين والنصب في
« الْمَوْتِ »
على الأصل . وقرأ الأعمش بعدم التنوين ونصب
« الْمَوْتِ »
، وذلك على حذف التنوين لالتقاء الساكنين وإرادته ، وهو كقول الآخر :
هامش
( 1 ) آية رقم 163 . ( 2 ) ديوانه 85 ، اللسان ( صرع ) .