قوله :
مِنْ خَلْفِهِمْ
في هذا الجارّ وجهان :
أحدهما : أنه متعلق ب
« يَلْحَقُوا »
على معنى أنهم قد بقوا بعدهم ، وهم قد تقدّموهم .
والثاني : أن يكون متعلقا بمحذوف على أنه حال من فاعل
« يَلْحَقُوا »
أي : لم يلحقوا بهم حال كونهم متخلّفين عنهم أي : في الحياة .
قوله :
أَلَّا خَوْفٌ
فيه وجهان :
أحدهما : أنّ « أن » وما في حيّزها في محل جر بدلا من
« بِالَّذِينَ »
بدل اشتمال أي : يستبشرون بعدم خوفهم وحزنهم فهو المستبشر به في الحقيقة لأنّ الذوات لا يستبشر بها .
والثاني : أنها في محل نصب على أنها مفعول من أجله أي : لأنهم لا خوف . و « أن » هذه هي المخففة ، واسمها ضمير الشأن ، وجملة النفي بعدها في محلّ الخبر ، والذوات لا يستبشر بها كما تقدّم فلا بدّ من حذف مضاف مناسب ، والتقدير : ويستبشرون بسلامة الذين ، أو لحوقهم بهم في الدرجة .
وقال مكيّ بعد أن حكى أنها بدل اشتمال « ويجوز أن تكون « أن » في موضع نصب على معنى « بأن لا » . وهذا هو بعينه وهو وجه البدل المتقدم ، غاية ما في الباب أنه أعاد مع البدل العامل في تقديره ، اللهم أن يعني أنها وإن كانت بدلا من « الذين » فليست في محلّ جر بل في محلّ نصب ، لأنها سقطت منها الباء فإنّ الأصل « بأن لا » ، و « أن » إذا حذف منها حرف الجر كانت في محلّ نصب على رأي سيبويه « 1 » والفراء . وهو بعيد .
[ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 171 إلى 173 ]
يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ ( 171 ) الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ ( 172 ) الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ( 173 )
قوله تعالى :
وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ :
وقرأ الكسائي بكسر « إنّ » على الاستئناف . وقال الزمخشري : « إن قراءة الكسر اعتراض » واستشكل كونها اعتراضا ، لأنّها لم تقع بين شيئين متلازمين » ويمكن أن يجاب عنه بأن
« الَّذِينَ اسْتَجابُوا »
يجوز أن يكون تابعا ل
« بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا »
نعتا أو بدلا على ما سيأتي ، فعلى هذا يتصوّر الاعتراض . ويؤيّد كونها للاستئناف قراءة عبد اللّه ومصحفه : ( « واللّه لا يضيع » ) . وقرأ باقي السبعة بالفتح عطفا على قوله :
« بِنِعْمَةٍ »
لأنها بتأويل مصدر أي : يستبشرون بنعمة من اللّه وفضل منه وعدم إضاعة اللّه أجر المؤمنين .
وقوله :
يَسْتَبْشِرُونَ
من غير عطف حرف فيه أوجه :
أحدها : أنه استئناف متعلّق بهم أنفسهم دون « الذين لم يلحقوا بهم » لاختلاف متعلّق البشارتين .
والثاني : أنه تأكيد للأول لأنه قصد بالنعمة والفضل بيان متعلّق الاستبشار الأول ، وإليه ذهب الزمخشري .
هامش
( 1 ) انظر الكتاب 1 / 17 .