الثالث : أنه يعود على الناس ، إذا أريد واحد فرد كما نقل في القصة ، وسبب النزول هو نعيم بن مسعود الأشجعي ، نقل هذه الثلاثة الأوجه الزمخشري . واستضعف الشيخ « 1 » الوجهين الأخيرين ، قال : « من حيث إنّ الأول لا يزيد إيمانا إلا النطق به لا هو في نفسه ، ومن حيث إنّ الثاني إذا أطلق على المفرد لفظ الجمع مجازا فإنّ الضمائر تجري على ذلك الجمع لا على المفرد . تقول : « مفارقه شابت » باعتبار الجمع ، ولا يجوز : « مفارقه شاب » باعتبار مفرقه شاب » .
وفيما قاله الشيخ نظر ، لأنّ المقول هو الذي في الحقيقة حصل به زيادة الإيمان . وأمّا قوله : « تجري على الجمع لا على المفرد » فغير مسلّم . ويعضده أنهم نصّوا على أنه يجوز اعتبار لفظ الجمع الواقع موقع المثنى تارة ومعناه أخرى فأجازوا : « رؤوس الكبشين قطعتهنّ وقطعتهما » وإذا ثبت ذلك في الجمع الواقع موقع المثنى فليجز في الواقع موقع المفرد . ولقائل أن يفرّق بينهما وهو أنه إنما جاز أن يراعى معنى التثنية المعبّر عنها بلفظ الجمع لقربها منه ، من حيث إنّ كلّا منهما فيه ضمّ شيء إلى مثله بخلاف المفرد فإنه بعيد من الجمع لعدم الضمّ فلا يلزم من مراعاة معنى التثنية في ذلك مراعاة معنى المفرد .
قوله :
وَقالُوا : حَسْبُنَا اللَّهُ
عطف
« قالُوا »
على
« فَزادَهُمْ »
والجملة بعد القول في محلّ النصب به . وقد تقدّم أنّ « حسب » بمعنى اسم الفاعل أي : « محسب » بمعنى الكافي ، ولذلك كانت إضافته غير محضة عند قوله في البقرة :
فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ
« 2 » .
وقوله :
وَنِعْمَ الْوَكِيلُ
المخصوص بالمدح محذوف أي اللّه .
[ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 174 إلى 175 ]
فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ ( 174 ) إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ فَلا تَخافُوهُمْ وَخافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( 175 )
قوله تعالى :
بِنِعْمَةٍ :
فيه وجهان :
أحدهما : أنها متعلقة بنفس الفعل على أنها باء التعدية .
والثاني : أنها تتعلّق بمحذوف على أنها حال من الضمير في « انقلبوا » ، والباء على هذا للمصاحبة كأنه قيل :
فانقلبوا ملتبسين بنعمة ومصاحبين لها .
قوله :
لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ
هذه الجملة في محل نصب على الحال أيضا ، وفي ذي الحال وجهان :
أحدهما : أنه فاعل « انقلبوا » أي : انقلبوا سالمين من السوء .
والثاني : أنه الضمير المستكنّ في
« بِنِعْمَةٍ »
إذا كانت حالا ، والتقدير فانقلبوا منعّمين بريئين من السوء ، والعامل فيها العامل في
« بِنِعْمَةٍ »
فهما حالان متداخلتان ، والحال إذا وقعت مضارعا منفيا ب
« لَمْ »
وفيها ضمير ذي الحال جاز دخول الواو وعدمه ، فمن الأولى قوله تعالى :
أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ
« 3 » وقول كعب :
هامش
( 1 ) انظر البحر المحيط 4 / 118 .
( 2 ) آية ( 206 ) .
( 3 ) سورة الأنعام ، آية ( 93 ) .