فيتحد لفظ « آلى » بمعنى قصّر و « آلى » بمعنى حلف ، وإن كان الفرق بينهما ثابتا من حيث المادة ؛ لأنّ لامه من معنى الحلف ياء ، ومن معنى التقصير واو .
وقال الراغب : « وألوت فلانا أي : أوليته تقصيرا نحو : كسبته أي : أوليته كسبا وما ألوته جهدا أي : ما أوليته تقصيرا بحسب الجهد ، فقولك : « جهدا » تمييز . وقوله : لا يألونكم خبالا » منه ، أي : لا يقصّرون في طلب الخبال . وقال تعالى :
وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ
« 1 » قيل : هو يفتعل من ألوت ، وقيل : هو من آليت أي : حلفت .
والخبال : الفساد ، وأصله ما يلحق الحيوان من مرض وفتور فيورثه فسادا واضطرابا ، يقال منه : خبله وخبّله بالتخفيف والتشديد فهو خابل ومخبل ومخبول ومخبّل . ويقال : خبل وخبل وخبال . وفي الحديث : « من شرب الخمر ثلاثا كان حقا على اللّه أن يسقيه من طينة الخبال » « 2 » وقال زهير بن أبي سلمى :
1407 - هنالك إن يستخبلوا المال يخبلوا * وإن يسألوا يعطوا وإن ييسروا يغلوا « 3 »
والمعنى في هذا البيت : أنهم إذا طلب منهم إفساد شيء من إبلهم أفسدوه ، وهذا كناية عن كرمهم .
قوله :
وَدُّوا ما عَنِتُّمْ
في هذه الجملة ثلاثة أوجه :
أوجهها : أن تكون مستأنفة كما هو الظاهر فيما قبلها .
والثاني : أنها نعت ل
« بِطانَةً »
فمحلّها نصب .
والثالث : أنها حال من الضمير في
« يَأْلُونَكُمْ »
. و
« ما »
مصدرية ، و
« عَنِتُّمْ »
صلتها ، وهي وصلتها مفعول الودادة أي : عنتكم أي : مقتكم . وقد تقدّم اشتقاق هذه اللفظة في البقرة عند « قوله » :
لَأَعْنَتَكُمْ
« 4 » . وقال الراغب هنا :
« المعاندة والمعانتة يتقاربان ، لكنّ المعاندة هي الممانعة ، والمعانتة أن يتحرّى مع الممانعة المشقّة .
قوله :
« قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ »
هذه الجملة كالتي قبلها ، وقرأ عبد اللّه : « بدا » من غير تاء ، لأنّ الفاعل مؤنث مجازي ولأنّها في معنى البغض . والبغضاء مصدر كالسرّاء والضّرّاء . يقال منه : بغض الرجل فهو بغيض كظرف فهو ظريف .
وقوله :
مِنْ أَفْواهِهِمْ
متعلّق ب
« بَدَتِ »
« ومن » لابتداء الغاية . وجوّز أبو البقاء أن تكون حالا أي : خارجة من أفواههم . والأفواه : جمع فم ، وأصله : فوه ، فلامه هاء ، يدلّ على ذلك جمعه على « أفواه » ، وتصغيره على « فويه » ، والنسب إليه على فوهيّ ، وهل وزنه فعل بسكون العين أو فعل بفتحها ؟ خلاف للنحويين ، وإذا عرفت ذلك فاعلم أنهم حذفوا لامه تخفيفا فبقي آخره حرف علة فأبدلوها ميما لقربها منها لأنهما من الشّفة ، وفي الميم هويّ في الفم يضارع المدّ الذي في الواو ، هذا كلّه إذا أفردوه عن الإضافة ، فإن أضافوه لم يبدلوا حرف العلة كقوله :
1408 - فوه كشقّ العصا لأيا تبيّنه * . . . « 5 »
هامش
( 1 ) سورة النور ، آية ( 22 ) .
( 2 ) أخرجه مسلم بنحوه 3 / 1587 ، كتاب الأشربة ( 72 - 2002 ) .
( 3 ) تقدم .
( 4 ) انظر البحر المحيط 3 / 39 .
( 5 ) صدر بيت عجزه :. . . * أسك ما يسمع الأصوات مصلومانظر ديوانه ( 59 ) ، المفضليات .