تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — صفحة 192

مساهمون:

ص١٩٢
ويجوز أن تكون
« ما »
مصدرية ، وحينئذ يكون قد شبّه إنفاقهم في عدم نفعه بالريح الموصوفة بهذه الصفة ، وهو من باب تشبيه المعقول بالمحسوس . قوله :
فِيها صِرٌّ
في محل جر نعتا ل
« رِيحٍ »
، ويجوز أن يكون
« فِيها صِرٌّ »
جملة من مبتدأ وخبر ، ويجوز أن يكون
« فِيها »
وحده هو الصفة ، و
« صِرٌّ »
فاعل به ، وجاز ذلك لاعتماد الجار على الموصوف ، وهذا أحسن ؛ لأنّ الأصل في الأوصاف الإفراد ، وهذا قريب منه . و « الصرّ » قيل : البرد الشديد المحرق ، قال :
1398 - لا يعدلنّ أتاويّون تضربهم * نكباء صرّ بأصحاب المحلّات « 1 »
وقيل : « الصرّ » بمعنى الصّرصر ، وهو الشيء البارد ، قالت ليلى الأخيلية :
1399 - ولم يغلب الخصم الألدّ ويملأ ال * جفان سديفا يوم نكباء صرصر « 2 »
وأصله مأخوذ من الشّدّ والتعقيد ، ومنه : الصرّة للعقدة ، وأصرّ على كذا : لزمه . وقال بعضهم : « الصرّ » صوت لهيب النار ، يكون في الريح من : صرّ الشيء يصرّ صريرا أي : صوّت بهذا الحسّ المعروف ، ومنه : صرير الباب . قال الزجاج : « والصرّ : صوت النار التي في الريح » وإذا عرف هذا فإن قلنا : الصرّ : البرد الشديد أو هو صوت النار أو صوت الريح ، فظرفية الريح له واضحة ، وإن كان الصرّ صفة الريح كالصرصر فالمعنى : فيها قرّة « 3 » صرّ ، كما تقول : برد بارد ، وحذف الموصوف وقامت الصفة مقامه ، أو تكون الظرفية مجازا جعل الموصوف ظرفا للصفة كما قال :
1400 - . . . * وفي الرّحمن للضّعفاء كافي « 4 »
ومنه قولهم : « إن ضيّعني فلان ففي اللّه كاف » المعنى : الرحمن كاف ، واللّه كاف . وهذا فيه بعد . قوله :
أَصابَتْ
هذه الجملة في محل جر أيضا صفة ل
« رِيحٍ »
، ولا يجوز أن تكون صفة ل
« صِرٌّ »
لأنه مذكر . وبدأ أولا بالوصف بالجار لأنه قريب من المفرد ثم بالجملة . هذا إن أعربنا
« فِيها »
وحده صفة ، ورفعنا به
« صِرٌّ »
، أمّا إذا أعربناه خبرا مقدما و
« صِرٌّ »
مبتدأ فهما جملة أيضا . قوله :
ظَلَمُوا
صفة ل
« قَوْمٍ »
، والضمير في
« ظَلَمَهُمُ »
يعود على القوم ذوي الحرث ، أي : ما ظلمهم اللّه بإهلاك حرثهم ، ولكنهم ظلموا أنفسهم بارتكابهم المعاصي التي كانت سببا في إهلاكه . وجوّز الزمخشري وغيره أن يعود على المنفقين ، وإليه نحا ابن عطية ، ورجّحه بأنّ أصحاب الحرث لم يذكروا للردّ عليهم ولا لتبيين ظلمهم ، بل لمجرد التشبيه بهم . قوله :
وَلكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
العامة على تخفيف
« لكِنْ »
وهي استدراكية ، و
« أَنْفُسَهُمْ »
مفعول مقدم ، قدّم للاختصاص أي : لم يقع وبال ظلمهم إلا بأنفسهم خاصة لا يتخطّاهم ، ولأجل الفواصل أيضا . وقرأها بعضهم « 5 »
هامش
( 1 ) انظر البيت في اللسان ( حلل ) . ( 2 ) انظر البيت البحر 3 / 32 ، الكشاف . ( 3 ) قرّة : أي ما أصاب من البرد . ( 4 ) عجز بيت لأبي خالد القناني وصدره :ولولاهن قد سومت مهري * . . .انظر الكامل ( 895 ) ، الكشاف 1 / 457 . ( 5 ) انظر البحر المحيط 3 / 38 .