العام البسط دون الإيجاز بخلاف الخطاب هنا فإنه خاصّ فلذلك اكتفى فيه بالإيجاز دون الإطناب . وباقي كلمات جمل الآية تقدّم الكلام عليها في البقرة .
قوله تعالى :
يَبْتَغِ غَيْرَ :
العامّة على إظهار هذين المثلين ؛ لأن بينهما فاصلا فلم يلتقيا في الحقيقة ، وذلك الفاصل هو الياء التي حذفت للجزم ، وروي عن أبي عمرو فيها الوجهان : الإظهار على الأصل ولمراعاة الفاصل الأصلي ، والإدغام مراعاة للّفظ ، إذ يصدق أنهما التقيا في الجملة ، ولأنّ ذلك الفاصل مستحقّ الحذف لعامل الجزم ، وليس هذا مخصوصا بهذه الآية بل كلما التقى فيه مثلان بسبب حذف حرف ، لعلّة اقتضت ذلك جرى فيها الوجهان نحو :
يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ
« 1 »
وَإِنْ يَكُ كاذِباً
« 2 » وقد استشكل على هذا نحو :
يا قَوْمِ ما لِي أَدْعُوكُمْ
« 3 » و
يا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي
« 4 » فإنه لم يرو عن أبي عمرو خلاف في إدغامهما ، وكان القياس يقتضي جواز الوجهين لأنّ ياء المتكلم فاصلة تقديرا .
قوله :
دِيناً
فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أنه مفعول يبتغ ، و
« غَيْرَ الْإِسْلامِ »
حال لأنها في الأصل صفة له ، فلمّا قدّمت عليه نصبت حالا .
الثاني : أن يكون تمييزا لغير لإبهامها ، فميّزت كما ميّزت « مثل » و « شبه » وأخواتهما ، وسمع من العرب : « إنّ لنا غيرها إبلا وشاء » .
والثالث : أن يكون بدلا من
« غَيْرَ »
، وعلى هذين الوجهين فغير الإسلام هو المفعول به ليبتغ .
وقوله :
وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ
كقوله :
وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ
« 5 » في الإعراب وسيأتي ما بينهما في المعنى . وقيل : « أل » معرفة لا موصولة فلم يمنع من تعلّق ما قبلها ، بما بعدها . وهذه الجملة يجوز أن لا يكون لها محلّ لاستئنافها ، ويجوز أن تكون في محل جزم نسقا على جواب الشرط وهو
« فَلَنْ يُقْبَلَ »
، ويكون قد ترتّب على ابتغاء غير الإسلام دينا عدم القبول والخسران .
[ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 86 ]
كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ( 86 )
وقوله تعالى :
كَيْفَ يَهْدِي :
كقوله :
كَيْفَ تَكْفُرُونَ
« 6 » وقيل : الاستفهام هنا معناه النفي ، وأنشد :
1357 - كيف نومي على الفراش ولمّا * تشمل الشام غارة شعواء « 7 »
وقول الآخر :
هامش
( 1 ) سورة يوسف ، آية ( 9 ) .
( 2 ) سورة غافر ، آية ( 28 ) .
( 3 ) سورة غافر ، آية ( 41 ) .
( 4 ) سورة هود ، آية ( 30 ) .
( 5 ) سورة البقرة ، آية ( 130 ) .
( 6 ) سورة البقرة ، آية ( 28 ) .
( 7 ) البيت لعبيد اللّه بن قيس الرقيات انظر ديوانه ( 95 ) ابن يعيش 9 / 36 ، ابن الشجري 1 / 383 ، الكشاف .