1358 - فهذي سيوف يا صدّيّ بن مالك * كثير ولكن كيف بالسّيف ضارب « 1 »
قوله :
وَشَهِدُوا
في هذه الجملة ثلاثة أوجه :
أحدها : أنها معطوفة على
« كَفَرُوا »
و
« كَفَرُوا »
في محلّ نصب نعتا لقوما ، أي : كيف يهدي من جمع بين هذين الأمرين ، وإلى هذا ذهب ابن عطية والحوفي وأبو البقاء ، إلا أنّ مكيّا قد ردّ هذا الوجه فقال : « لا يجوز عطف
« شَهِدُوا »
على
« كَفَرُوا »
لفساد المعنى » ، ولم يبيّن جهة الفساد فكأنه فهم الترتيب بين الفكرة والشهادة ، فلذلك فسد المعنى ، وهذا غير لازم ، فإنّ الواو لا تقتضي ترتيبا ، ولذلك قال ابن عطية : « المعنى مفهوم أنّ الشهادة قبل الكفر والواو لا ترتّب » .
الثاني : أنها في محلّ نصب على الحال من واو
« كَفَرُوا »
، والعامل فيها الرافع لصاحبها ، و « قد » مضمرة معها على رأي ، أي : كفروا وقد شهدوا ، وإليه ذهب جماعة كالزمخشري وأبي البقاء وغيرهما ، قال أبو البقاء : « ولا يجوز أن يكون العامل
« يَهْدِي »
لأنه يهدي من شهد أن الرسول حق ، يعني أنه لا يجوز أن يكون حالا من
« قَوْماً »
، والعامل في الحال
« يَهْدِي »
لما ذكر من فساد المعنى .
الثالث : أن يكون معطوفا على
« إِيمانِهِمْ »
لما تضمّنه من الانحلال لجملة فعلية ، إذ التقدير : بعد أن آمنوا وشهدوا ، وإلى هذا ذهب جماعة ، قال الزمخشري : « أن يعطف على ما في
« إِيمانِهِمْ »
من معنى الفعل ، لأن معناه : بعد أن آمنوا ، كقوله تعالى :
فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ
« 2 » وقوله :
1359 - مشائيم ليسوا مصلحين عشيرة * ولا ناعب إلّا ببين غرابها « 3 »
انتهى . وجه تنظيره ذلك بالآية والبيت توهّم وجود ما يسوّغ العطف عليه في الجملة ، كذا يقول النحاة : جزم على التوهم أي : لسقوط الفاء ، إذ لو سقطت لانجزم في جواب التحضيض ، وكذا يقولون : توهّم وجود الباء فجرّ ، وفي العبارة بالنسبة إلى القرآن سوء أدب ، ولكنهم لم يقصدوا ذلك حاش للّه ، وكان تنظير الزمخشري بغير ذلك أولى كقوله :
إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ وَأَقْرَضُوا
« 4 » ، إذ هو في قوة : إن الذين صدقوا وأقرضوا ، وفي هذه الآية بحث سيمر بك إن شاء اللّه تعالى .
وقال الواحدي : « عطف الفعل على المصدر ؛ لأنه أراد بالمصدر الفعل تقديره : كفروا باللّه بعد أن آمنوا ، فهو عطف على المعنى كما قال :
1360 - للبس عباءة وتقرّ عيني * أحبّ إليّ من لبس الشّفوف « 5 »
معناه : لأن ألبس وتقرّ عيني » فظاهر عبارة الزمخشري والواحدي أن الأول يؤوّل لأجل الثاني ، وهذا ليس بظاهر ، لأنّا إنما نحتاج إلى ذلك لكون الموضع يطلبه فعلا كقوله : « إنّ المصّدّقين » لأنّ الموصول يطلب جملة فعلية فاحتجنا أن
هامش
( 1 ) انظر البيت في معاني الفراء 1 / 164 ، ابن الشجري 1 / 267 ، البحر المحيط 2 / 518 .
( 2 ) سورة المنافقون ، آية ( 10 ) .
( 3 ) البيت للأخوص الرياحي انظر الكتاب ( 1 / 165 ) ، في ( 3 / 29 ) ، للفرزدق ، الخصائص ( 2 / 354 ) ، ابن يعيش ( 2 / 52 ) ، الإنصاف ( 1 / 193 ) ، المغني ( 2 / 475 ) ، الأشموني ( 2 / 235 ) ، الجاحظ في البيان ( 2 / 261 ) ، الخزانة ( 4 / 158 ) ، روح المعاني ( 12 / 98 ) .
( 4 ) سورة الحديد ، آية ( 18 ) .
( 5 ) تقدم .