قال الشيخ « 1 » : « ولا تحقيق فيه لأنّ الإنكار الذي هو معنى الهمزة لا يتوجّه إلى الذوات ، إنما يتوجّه إلى الأفعال التي تتعلّق بالذوات ، فالذي أنكر إنما هو الابتغاء الذي متعلّقه غير دين اللّه ، وإنما جاء تقديم المفعول من باب الاتساع ، ولشبه يبغون بالفاصلة بآخر الفعل » قلت : وأين المعنى من المعنى ؟
وقرأ أبو عمرو وحفص عن عاصم :
« يَبْغُونَ »
بالياء من تحت نسقا على قوله :
« هُمُ الْفاسِقُونَ »
والباقون بياء الخطاب التفاتا .
قوله :
وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ
جملة حالية أي : كيف يبغون غير دينه والحال هذه ؟
قوله :
طَوْعاً وَكَرْهاً
فيهما وجهان :
أحدهما : أنهما مصدران في موضع الحال والتقدير : طائعين وكارهين .
والثاني : أنهما مصدران على غير الصدر قال أبو البقاء : « لأنّ أسلم بمعنى انقاد وأطاع » .
وتابع الشيخ « 2 » على هذا ، وفيه نظر من حيث إنّ هذا ماش في
« طَوْعاً »
لموافقته لمعنى الفعل قبله ، وأمّا
« كَرْهاً »
فكيف يقال فيه ذلك ، والقول بأنه يغتفر في الثواني ما لا يغتفر في الأوائل غير نافع هنا . ويقال : طاع يطوع ، وأطاع يطيع بمعنى . وقيل : طاعه يطوعه انقاد له ، وأطاعه أي : رضي لأمره ، وطاوعه أي : وافقه .
وقرأ الأعمش : « كرها » بالضم ، وسيأتي أنها قراءة للأخوين في سورة النساء « 3 » ، وللكوفيين وابن ذكوان في الأحقاف « 4 » ، وهناك تكلّمنا عليها ، وتقدم لنا أيضا ذكر هذه المادة في البقرة « 5 » .
قوله :
وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ
يجوز أن تكون هذه الجملة مستأنفة فلا محلّ لها ، وإنما سيقت للإخبار بذلك لتضمّنها معنى التهديد العظيم والوعيد الشديد ، ويجوز أن تكون معطوفة على الجملة من قوله :
« وَلَهُ أَسْلَمَ »
فتكون حالا أيضا ، ويكون المعنى أنه نعى عليهم ابتغاء غير دين من أسلم له جميع من في السماوات والأرض طائعين ومكرهين ومن مرجعهم إليه .
وقرأ حفص عن عاصم :
« يُرْجَعُونَ »
بياء الغيبة ويحتمل ذلك وجوها :
أحدها : أن يعود الضمير على من أسلم وهو واضح .
الثاني : أن يعود على من عاد عليه ضمير
« يَبْغُونَ »
في قراءة من قرأه بالغيبة ، وهو أيضا واضح ، ولا التفات في هذين الوجهين .
والثالث : أن يعود على من عاد عليه الضمير في « تبغون » في قراءة الخطاب فيكون التفاتا حينئذ . وقرأ الباقون :
« تبغون » بالخطاب ، فمن قرأ « تبغون » بالخطاب فهو واضح ، ومن قرأه بالغيبة فيكون هذا التفاتا منه ، ويجوز أن يكون التفاتا من قوله :
« مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ »
.
هامش
( 1 ) انظر البحر المحيط 2 / 515 .
( 2 ) انظر البحر المحيط 2 / 516 .
( 3 ) عند سورة النساء ، آية ( 19 ) .
( 4 ) عند سورة الأحقاف ، آية ( 15 ) .
( 5 ) عند آية رقم ( 216 ) .