نتأوّل اسم الفاعل بفعل ، وعطفنا عليه « وأقرضوا » ، وأما
« بَعْدَ إِيمانِهِمْ »
وقوله « للبس عباءة » فليس مكان الاسم محتاجا إلى فعل ، فالذي ينبغي : أن نتأول الثاني باسم ليصحّ عطفه على الاسم الصريح قبله ، وتأويله بأن نأتي معه ب « أن » المصدرية مقدرة ، تقديره : بعد إيمانهم وأن شهدوا ، أي : وشهادتهم ، ولهذا تأوّل النحويون قولها : « للبس عباءة وتقرّ » :
وأن تقرّ ، إذ التقدير : وقرة عيني ، وإلى هذا الذي ذكرته ذهب أبو البقاء فقال : « التقدير : بعد أن آمنوا وأن شهدوا ، فيكون في موضع جرّ » . انتهى ، يعني أنه على تأويل مصدر معطوف على المصدر الصريح المجرور بالظرف ، وكلام الجرجاني فيه ما يشهد لهذا ويشهد لتقدير الزمخشري فإنه قال : « قوله
« وَشَهِدُوا »
منسوق على ما يمكن في التقدير ، وذلك أنّ قوله
« بَعْدَ إِيمانِهِمْ »
يمكن أن يكون بعد « أن آمنوا » وأن الخفيفة مع الفعل بمنزلة المصدر كقوله :
وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ
« 1 » أي : والصوم ، ومثله ممّا حمل فيه على المعنى قوله تعالى :
وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ
فهو عطف على قوله :
إِلَّا وَحْياً ،
ويمكن فيه : إلا أن يوحى إليه ، فلما كان قوله
إِلَّا وَحْياً
بمعنى : إلا أن يوحى إليه حمله على ذلك ، ومثله من الشعر قوله :
1361 - فظلّ طهاة اللّحم من بين منضج * صفيف شواء أو قدير معجّل « 2 »
خفض قوله « قدير » لأنه عطف على ما يمكن في قوله « منضج » لأنه أمكن أن يكون مضافا إلى الصفيف فحمله على ذلك » قلت : فإتيانه بهذا البيت نظير إتيان الزمخشري بالآية الكريمة والبيت المتقدمين ، لأنه جرّ « قدير » هنا على التوهم ، كأنه توهّم إضافة اسم الفاعل إلى مفعوله تخفيفا فجرّ على التوهم ، كما توهّم الآخر وجود الباء في قوله : « ليسوا مصلحين » ، لأنها كثيرا ما تزاد في خبر ليس . وقوله : « أن الرسول » الجمهور على أنه وصف بمعنى المرسل ، وقيل : هو بمعنى الرسالة فيكون مصدرا وقد تقدّم ذلك .
[ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 87 إلى 89 ]
أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ( 87 ) خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ ( 88 ) إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 89 )
قوله تعالى :
جَزاؤُهُمْ :
يجوز فيه وجهان :
أحدهما : أن يكون مبتدأ ثانيا ، و
« أَنَّ عَلَيْهِمْ »
إلى آخره في محلّ رفع خبرا لجزاؤهم ، والجملة خبر لأولئك .
والثاني : أن يكون
« جَزاؤُهُمْ »
بدلا من
« أُولئِكَ »
بدل اشتمال ، و
« أَنَّ عَلَيْهِمْ »
إلى آخره خبر أولئك . وقال هنا :
جَزاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ
وهناك :
أُولئِكَ عَلَيْهِمْ
« 3 » دون
« جَزاؤُهُمْ »
قيل : لأنّ هناك وقع الإخبار عمّن توفي على الكفر ، فمن ثم حتّم اللّه عليه اللعنة بخلافه هنا ، فإنّ سبب النزول في قوم ارتدّوا ثم رجعوا للإسلام . ومعنى
« جَزاؤُهُمْ »
أي : جزاء كفرهم وارتدادهم . وتقدّم قراءة الحسن « والناس أجمعون » « 4 » وتخريجها .
وقوله تعالى :
خالِدِينَ
حال من الضمير في
« عَلَيْهِمْ »
والعامل فيها الاستقرار أو الجارّ لقيامه مقام الفعل وتقدّمت
هامش
( 1 ) سورة البقرة ، آية ( 51 ) .
( 2 ) البيت من امرئ القيس انظر ديوانه ( 22 ) ، شرح المعلقات لابن النحاس ص 41 .
( 3 ) سورة البقرة ، آية ( 161 ) .
( 4 ) سورة البقرة ، آية ( 161 ) .