الأول الياء للّه تعالى وعلى الثاني للنبي .
وقرأ العامة
« إِصْرِي »
بكسر الهمزة وهي الفصحى ، وقرأ أبو بكر عن عاصم في رواية :
« إِصْرِي »
بضمها ، ثم المضموم الهمزة يحتمل أن يكون لغة في المكسور وهو الظاهر ، ويحتمل أن يكون جمع إصار ، ومثله أزر في جمع إزار ، وقد تقدّم في أواخر البقرة الكلام عليه مشبعا « 1 »
وقوله :
أَقْرَرْنا
أي : بالإيمان به وبنصرته . وفي الكلام حذف جملة أيضا ، حذفت لدلالة ما تقدّم عليها ، إذ التقدير : قالوا أقررنا وأخذنا إصرك على ذلك كله .
وقوله :
فَاشْهَدُوا
هذه الفاء عاطفة على جملة مقدرة تقديره : قال : أأقررتم فاشهدوا ، ونظير ذلك : « ألقيت زيدا » ؟ قال : « لقيته » ، قال : « فأحسن إليه » ، التقدير : ألقيت زيدا فأحسن إليه ، فما فيه الفاء بعض المقول ، ولا جائز أن يكون كلّ المقول لأجل الفاء ، ألا ترى قوله :
« قالَ : أَ أَقْرَرْتُمْ »
وقوله « قالوا : أقررنا » لمّا كان كلّ المقول لم يدخل الفاء ، قاله الشيخ « 2 » ، والمعنى واضح بدونه .
قوله :
مِنَ الشَّاهِدِينَ
هذا هو الخبر لأنّه محطّ الفائدة ، وأمّا قوله
« مَعَكُمْ »
فيجوز أن يكون حالا أي : وأنا من الشاهدين مصاحبا لكم ، ويجوز أن يكون منصوبا بالشاهدين ظرفا له عند من يرى تجويز ذلك ، ويمتنع أن يكون هو الخبر إذ الفائدة به غير تامة في هذا المقام ، والجملة من قوله :
« وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ »
يجوز ألّا يكون لها محلّ لاستئنافها ، ويجوز أن تكون في محلّ نصب على الحال من فاعل
« فَاشْهَدُوا »
.
[ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 82 إلى 83 ]
فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ ( 82 ) أَ فَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ( 83 )
قوله تعالى :
فَمَنْ تَوَلَّى
يجوز أن تكون « من » شرطية فالفاء في
« فَأُولئِكَ »
جوابها ، وأن تكون موصولة ، ودخلت الفاء لشبه المبتدأ باسم الشرط ، فالفعل بعدها على الأول في محل جزم ، وعلى الثاني لا محلّ له لكونه صلة ، وأما
« فَأُولئِكَ »
ففي محلّ جزم أيضا على الأول ورفع على الثاني لوقوعه خبرا ، و
« هُمُ »
يجوز أن يكون فصلا وأن يكون مبتدأ وهذه الأشياء واضحة ممّا تقدّم ، فلذلك لم أوغل في بيانها .
قوله تعالى :
أَ فَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ :
قد تقدم أن الجمهور يجعلون الهمزة مقدمة على الفاء للزومها الصدر ، والزمخشري يقرّها على حالها ويقدّر محذوفا قبلها ، وهنا جوّز وجهين :
أحدهما : أن تكون الفاء عاطفة جملة على جملة ، والمعنى : فأولئك هم الفاسقون فغير دين اللّه يبغون ، ثم توسّطت الهمزة بينهما .
والثاني : أن يعطف على محذوف تقديره : أيتولّون فغير دين اللّه يبغون ، وقدّم المفعول الذي هو « غير » على فعله لأنه أهمّ من حيث إنّ الإنكار الذي هو معنى الهمزة متوجه إلى المعبود بالباطل ، هذا كلام الزمخشري .
هامش
( 1 ) انظر تفسير الآية رقم ( 286 ) .
( 2 ) انظر البحر المحيط 2 / 514 .