الْعالَمِينَ * وَمِنْ آبائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوانِهِمْ وَاجْتَبَيْناهُمْ وَهَدَيْناهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ * ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ ما كانُوا يَعْمَلُونَ
[ الأنعام : 88 - 84 ] .
ومعلوم أنّ بين الشرك والصراط المستقيم الصّوري ليست مناسبة مّا حتّى يذكر الحكيم الكامل هذا في معرض هذا وحبط ( يحبط ) عملهم نسبة ( نسبيّة ) ، بل لابدّ أن لا يذكر إلّا أن تكون بينهما مناسبة ، وليس بإزاء الشرك إلّا التوحيد وبإزاء التوحيد إلّا الشرك كما عرفته مرارا فلم يبق إلّا أن يكون المراد بالصراط المستقيم التوحيد وبصراطي المنسوبين إلى غير المغضوب عليهم ولا الضّالّين الشركين المذكورين ، ولقوله تعالى مخاطبا لنبيّه صلّى اللّه عليه واله :
قُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
[ الأنعام : 161 ] .
دليل واضح على صدق هذا المعنى أيضا ، لأنّه عبّر عن الصراط بالدين القيّم ، والدّين القيّم بالإتّفاق هو التوحيد لقوله تعالى :
فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ
[ الروم : 30 ] .
ولقوله تعالى في حقّ إبراهيم عليه السّلام :
قالَ يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ
[ الأنعام : 79 ] .
لأنّ هذه إشارة إلى التوحيد الذاتي الّذي هو أعظم التوحيدات وقد سبق أيضا أنّ الدين هو التوحيد لأنّ الدّين هو الإسلام لقوله :
إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ
[ آل عمران : 19 ] .