وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى
[ النجم : 39 ] .
وحيث جعل الدنيا دار التكليف ودار الكسب وعمّر الخلق فيها مدّة يمكن تحصيل كمالهم فلا بدّ من دار يعطيهم جزاء ذلك العمل فهو دار الآخرة ، وهذا هو العلّة في القيامة والرّجوع إلى المعاد ، لأنّ اللّه تعالى لو لم يفعل لكان يلزم منه العبث وخلاف الوعد والإخلال بالواجب .
وعند البعض من هذا يجب ظهور القيامة والمعاد ليصل كلّ مستحقّ إلى حقّه من الثواب والعقاب ، ولا يلزم من اللّه تعالى ( الأمور والتوالي ) المذكورة ، ويعضد ذلك كلّه قوله :
أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ
[ المؤمنون : 115 ] .
وأمّا عند أهل اللّه فالعلّة في القيامة هي الّتي أشرنا إليها وهي توفية حقوق كلّ واحد من الأسماء حقّه المعين له بحسب تلك الأشياء لئلّا يبطل حكم أسماء العدل والحق والمقسط والجواد وأخواتها أيضا كما سبق تقريره ( . . . ) ودار الممرّ لابدّ من مفارقة حتّى يمكن الوصول إلى دار المقرّ ، ومعلوم أنّ دار المقرّ خير من دار الممرّ لقوله تعالى :
وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى
[ الضحى : 4 ] .
( . . . ) إلى دار المقرّ لوجوب صدور الأصلح والأنفع بالنّسبة إلى العبيد كما هو مقرّر في الأصول لئلّا يلزم فيه الإخلال بالواجب ( . . . ) في الدنيا مثل الطفل في بطن الأمّ بالنّسبة إلى الآخرة ، فكما أنّ لا يمكن إيصال أحوال الدنيا وما فيها من المخلوقات والموجودات ( . . . ) والجبال والبحار والأنهار والأشجار وغير ذلك إلى دهر الطفل الّذي في بطن الأم ، كذلك لا يمكن إيصال أحوال الآخرة وما فيها من الجنّة والنار ( . . . ) والحور والقصور والمأكول والمشروب وأمثال ذلك إلى أذهان أهل الدنيا في الدنيا