والإستدلال ، لكن حيث إنّ هذا الفرض بالنّسبة إليها محال احتجنا إلى أمثال هذه التمسّكات . وإذا عرفت هذا فقس عليه الجنّات الرّوحانيّة العلويّة الّتي فوقها المشار إليها بقوله تعالى :
إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ
[ القمر : 54 و 55 ] .
لأنّها لو لم يكن في غاية العظمة والسّعة لم يكن اللّه تعالى يصفها بأنّها كبيرة في قوله :
وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً
[ الإنسان : 20 ] .
لأنّ الكبير لا يقول للشيء كبيرا إلّا إذا كان ذلك في غاية الكبر .
وبحث الجنّة أيضا بحث طويل وليس الغرض هذا بل الغرض تحقيق سعة العوالم الغيبيّة الرّوحانيّة وضيق العالم الشهاديّة الجسمانيّة .
وبيان أن نسبة عالم المحسوس وما عليه من الأشجار والبحور والخلايق والحيوانات والنبات بالنّسبة إلى تلك العوالم كالقطرة في البحر ، وإذا كان الحال على هذا المنوال فلا يتيسّر نفاد الكلمات ، الإلهيّة قرانيّة كانت أو آفاقيّة بما فيه من المخلوقات ، لأنّ القطرة لا يتيسّر لها الإحاطة بالبحر ولا يمكن للجزء الاشتمال على الكلّ .
وإذا تقرّر هذا وتحقّق وتبيّن فضيلة القرآن بهذه الوجوه المختلفة ، وثبت أنّ كلماته من حيث المعنى غير قابلة للنفاد كما أنّ كلمات الآفاق المطابقة لكلماته غير قابلة للنفاد صورة ومعنى لقوله في الأوّل كما سبق ذكره :
وَلَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ
[ لقمان : 27 ] .
ولقوله في الثاني :
وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ