الأرحام إلى حين خروج ، ولكن كان الغرض الإعلام بأن الأجسام الإنسانيّة ، وإن كانت واحدة في الحد والحقيقة والصورة الحسيّة والمعنويّة ، فإنّ أسباب تأليفها مختلفة ، لئلّا يتخيّل أن ذلك لذات السبب تعالى اللّه بل ذلك راجع إلى فاعل مختار يفعل ما يشاء ، كيف يشاء من غير تحجير ولا قصور على أمر دون أمر ،
لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
[ آل عمران : 18 ] .
( تكوين جسم عيسى )
ولمّا قال أهل الطبيعة : إنّ ماء المراة لا يتكوّن منه شيء ؛ وأن الجنين الكائن في الرّحم إنّما هو من ماء الرجل ، لذلك جعلنا تكوين جسم عيسى تكوينا آخر ، وإن كان تدبيره في الرّحم تدبير إجسام البنين فإن كان ( تكوين جسم عيسى ) من ماء المراة ، إذ تمثل لها الرّوح بشرا سويا أو كان عن نفخ بغير ماء فعلى كلّ وجه ، هو ( أعني جسم عيسى ) جسم رابع ، مغاير في النشء غيره من أجسام النوع ، ولذلك قال تعالى :
إِنَّ مَثَلَ عِيسى
[ آل عمران : 59 ] ، أي صفة نشء عيسى ،
عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ
، الضمير يعود على آدم ، ووقع الشبه في خلقه من غير أب ؛ أي صفة نشئه ( عيسى ) ، صفة نشء آدم ، إلّا أنّ آدم خلقه من تراب ، ثمّ قال له :
كن .
ثمّ إنّ عيسى ، على ما قيل ، لم يلبث في بطن أمّه ( مريم ) لبث البنين المعتاد ، لأنّه أسرع إليه التكوين ، لما أراد اللّه أن يجعله آية ( للناس ) ، ويردّ به على الطبيعتين حيث حكموا على الطبيعة بما أعطتهم من العادة ، لا بما تقتضيه ممّا أودع اللّه فيها من الأسرار والتكوينات العجيبة ، ولقد أنصف