تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المحيط الأعظم والبحر الخضم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم — صفحة 317

مساهمون:

ص٣١٧
للمراة ، إذ كانت عينه ، وأعطيت المراة القوّة المعبّر عنها بالحياء في محبّة الرجل ، فقويت على الإخفاء لأنّ الموطن لا يتّحد بها ، اتّحاد آدم بها . فصوّر ( الحق ) في ذلك الضلع ، جميع ما صوّره وخلقه في جسم آدم ، فكان نشء جسم آدم في صورته ، كنشء الفاخوريّ فيما ينشئه من الطين والطبخ ، وكان نشء جسم حواء نشء النجار فيما ينحته من الصور في الخشب ، فلمّا نحتها في الضلع ، وأقام صورتها ، وسوّاها ، وعدّلها نفخ فيها من روحه ، فقامت ( حواء ) حية ، ناطقة ، أنثى ليجعلها محلا للزراعة والحرث لوجود الإنبات الّذي هو التناسل ، فسكن ( آدم ) إليها وسكنت إليه وكانت لباسا له وكان لباسا لها » . قال تعالى :
هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ
[ البقرة : 187 ] . وسرت الشهوة منه في جميع أجزائه ، فطلبها .

( تكوين الجسم الثالث للإنسان )

فلّما تغشّاها ( آدم ) ، وألقى الماء في الرحم ، ودار بتلك النطفة من الماء دم الحيض الّذي كتبه اللّه على النساء ، تكوّن في ذلك الجسم جسم ثالث على غير ما تكوّن منه جسم آدم وجسم حواء ، فهذا هو الجسم الثالث ، فتولّاه اللّه بالنشء في الرّحم حالا بعد حال بالانتقال من ماء ، إلى نطفة ، إلى علقة ، إلى مضغة ، ثمّ كسا ( اللّه ) العظم لحما ، فلمّا أتمّ ( اللّه ) نشأته الحيوانيّة ، أنشأه خلقا آخر فنفخ فيه الرّوح الإنساني :
فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ
[ المؤمنون : 14 ] . ولولا طول الأمر لبيّنّا تكوينه ( أي تكوين الإنسان ) في الرحم حالا بعد حال ، ومن يتولّى ذلك من الملائكة الموكلين بإنشاء الصور في