ورتب فيها أنوارها وسرجها وعمرها بملائكته ، وحرّكها تعالى فتحرّكت طائعة للّه ، آتية إليه طلبا للكمال في العبوديّة الّتي تليق بها ، لأنّه تعالى دعاها ( أي السماء ) ودعا الأرض :
فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً
[ فصّلت : 11 ] .
لأمر حدّ لهما ،
قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ
. فهما آتيتان أبدا ، فلا تزالان متحرّكتين ، غير أن حركة الأرض خفية عندنا ، وحركتها حول الوسط لأنّها اكر ، فأمّا السماء فأتت طائعة عند أمر اللّه لها بالإتيان ، وأما الأرض فأتت طائعة ، لمّا علمت نفسها مقهورة ، وأنّه لابدّ أن يؤتي ( اللّه ) بها بقوله :
أَوْ كَرْهاً
، فكانت المراد بقوله تعالى :
أَوْ كَرْهاً
، فأتت طائعة كرها ،
فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها
[ السجدة : 12 ] .
( خلق الأرض وتقدير أقواتها )
وقد كان خلق الأرض
وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها
[ فصّلت : 10 ] ، من أجل المولدات ، فجعلها خزانة لأقواتهم ، وقد ذكرنا ترتيب نشء العالم في كتاب « عقله المستوفر » ، فكان من تقدير أقواتها وجود الماء والهواء والنار وما في ذلك من البخارات والسحب والبروق والرعود والآثار العلوية ، و
ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ *
، وخلق الجانّ من النار ، والطير والدواب البرية والبحرية والحشرات من عفونات الأرض ، ليصفوا الهواء لنا من بخارات العفونات الّتي لو خالطت الهواء ، الّذي أودع اللّه حياة هذا الإنسان والحيوان وعافيته فيه ، لكان سقيما مريضا معلولا ، فصفّى له الحقّ سبحانه لطفا منه بتكوين هذه المعفّنات ، فقلّت الأسقام والعلل .