والدليل على هذه كلّه أنّه أخبر عن مشاهدته في صور الأسماء ومظاهره الفعليّة بضرب مثل في صورة المشكاة والمصباح والزّجاجة والشجرة والزّيتون وأمثال ذلك لقوله جلّ ذكره :
اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ
[ النور : 35 ] .
فهذا لو لم يكن يخبره عنه بهذا الوجه فعرفنا أنّ المراد بمثل هذا في جميع المواضع تقريب الذّهن إلى المعاني المقصودة بالذّات وإليه الإشارة بقوله :
وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ
[ الروم : 58 ] .
وسرّ هذه الأمثال المضروبة في صورة هذه الأشباح الحسيّة ، وقد تقدّم مبسوطا وسيجيء أبسط منه لكن بحسب الحال .
المراد بالنور المشار إليه : ذاته المجرّدة ووجوده المطلق ، وبالمشكاة في الآفاق : عالم الأجسام والجسمانيّات ، وفي الأنفس : البدن والحواسّ ، وبالمصباح في الآفاق : عالم الأرواح القدسيّة والعقول المجرّدة المعبّرة عنه بالجبروت ، وفي الأنفس : العقول الجزئيّة والأرواح المجرّدة الإنسانيّة ، وبالزّجاجة في الآفاق : النفوس والملكوت الّتي هي مظاهر ( الجبروت ) ، وفي الأنفس : النّفس الناطقة الجزئيّة أو النّفس الحيوانيّة المنطبعة ، وبالشجرة المباركة في الآفاق : الوجود ، وفي الأنفس : الرّوح المجرّد ، ونسبتها إلى الزيتون كما إضائتها وإبقاء وجودها دون إدهان أخرى ، وصفة الشجرة أنّها لا شرقيّة ولا غربيّة ، لأنّ الوجود ليس من عالم الأرواح الصّرف ولا من عالم الأجسام المحض .