جميع الأمور لكن لها أسباب وآلات لا يتصرّف في شيء من الجزئيّات إلّا بها ، والحواسّ العشرة هذا علّتها أي علّة إيجادها ليأخذ النّفس بواسطتها حضّها من عالم الحسّ كما يأخذ حظّها عند تجرّدها عنها من عالم العقل ، ومن هذا قيل إنّها مدركة للكلّيات بذاتها وللجزئيّات بآلاتها ، لأنّها ما تتمكّن من التصرّف في شيء من عالم الحسّ إلّا بواسطة الحواسّ ، وذلك لو لم يكن كذلك ما جعل اللّه تعالى في كتابه الكريم أكثر أخبار الغيبيّة والأسرار الأخرويّة في صورة مثال حسّي ، وضرب مثل شهاديّ كإخباره مثلا عن اللذّات المعنويّة الحقيقيّة والنعيم الجنانيّة الذوقيّة في صورة اللبن والعسل والفاكهة والحور والقصور والغلمان والرّضوان وأمثال ذلك ، لأنّ هذه كلّها لو كانت من حيث الصورة كما تصوّرها المحقّقين لم يكن يقول في القرآن :
فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ
[ السجدة : 17 ] .
ولم يكن يقول في الحديث القدسي :
« أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر » . « 116 »
ولم يكن يقول العارف الربّاني عليه السّلام :
« كلّ شيء من الدنيا سماعه أعظم من عيانه وكلّ شيء من العقبى
هامش
( 116 ) قوله : أعددت لعبادي الصالحين .
راجع في تفصيل مصادره « تفسير المحيط الأعظم » ج 1 ص 307 التعليق 65 وج 3 ص 89 التعليق 51 .