قول ملك الرحم الّذي هو كالشافع في إنشاء النطفة في الأرحام ، يقول :
« ربّ نطفة ، ربّ علقة ، ربّ مضغة » ، إلى آخر ما يذكر من حمله البنية من شقاوة وسعادة ورزق وأجل ، وجميع ما قدّر له من صفات المولود إلى الموت ، ثمّ يؤمر بنفخ الرّوح فيه كما قال :
ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ
[ المؤمنون : 14 ] .
فيمدح تبارك وتعالى بذلك من إظهار القدرة في الخلقة من مبدئها إلى منتهاها ، لقوله :
أَحْسَنُ الْخالِقِينَ
[ المؤمنون : 14 ] .
فسريان النّفس في الجسد الّذي هو سلالة الطين من حيث الماء الممازج للتراب كسريان الرطوبة في الماء والبرودة في الهواء والحرارة في النار واليبوسة في الأرض ، وقامت البنة جسما ونفسا مهيّاة لنفخ الروح ( . . . ) فيه الأربع الطبايع الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة والأخلاط الأربعة الصفراء والدم والسوداء والبلغم ، ونفخ فيه الرّوح فكان سريان الرّوح فيها بمنزلة سريان القوى في الطبائع والضياء في الهواء والحياة في الأحياء .
وسريان العقل في الجملة كسريان الإدراك في الذوات المدركة ، وسريان روح الإيمان في الجملة كسريان النّور في النيّريات .
وسريان معاني الإرادة العليّة والقدرة الربانيّة ، وساير معاني الأسماء والصفات في الجملة كسريان الأمر في المأمورات والقدرة في المقدورات ، ولا يعرف حقيقة ذلك الأمر وماهيّة إلّا اللّه عزّ وجلّ وهو كما قال تعالى :
أَ فَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ
[ الرعد : 33 ] .