إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
[ الجاثية : 29 ] .
وكثير في القرآن مثله .
و « كن » هي الحقيقة القائمة بالشيء المكوّن وهي الإرادة لكونه ، والعلم محيط به وهو أمر إلهي مصوّر للأشياء حافظ لها من جميع الآفات ، وبها كانت الأكوان ظاهرا وباطنا ، وبها فصّلها اللّه من الغيب ، وفصّلها على نوعين بالقول ، وبالعقل ، والمقولات روحانيّة ، والمعقولات جسمانيّة ، وأصل الأجسام الماء وهو أصل الجواهر الظاهرة ، والرّوح الرّوحانيّة هو المحيط بالماء قال اللّه عزّ وجلّ :
وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَ فَلا يُؤْمِنُونَ
[ الأنبياء : 30 ] .
والرّوح الحاصل من الكلّ هو بمنزلة المكان الّذي ينبسط ببادية ، فيه الحروف والأشياء بمنزلة الهواء لما فيه من الوجود ، فإذا كانت مادّة قوله من الهواء كانت أرواحا وأنفسا ، وإذا كانت مادّتها الماء كانت أجساما ، كما أنّ كلام المخلوقين إذا كانت مادّة حروفه الّتي يريد أن يظهرها ما في غيبه وسرّه هواء كان قولا وكلاما ، وإذا كانت مادّتها مدادا كان كتابا وصورا مجسّمة مرتبة ، وكما أنّ كتاب المخلوقين دالّ على ما في قوله ، وقوله دالّ على ما في غيبه وسرّ نفسه كذلك جسم العالم بجميع أجزائه للباري تعالى كالكتاب وهو دالّ على قوله وكلامه ، وكلامه دالّ على ما في غيبه سبحانه لا إله إلّا هو ربّ العرش الكريم ، هذا آخر هذا الوجه الموعود وكان فيه من الفوائد ما لا يحصى .
وإذا فرغنا من هذا فلنشرع في القاعدة الثانية ونستمد من اللّه العون والتوفيق .