وإن قلت : إنّ جمهور المتكلّمين متّفقون على إثبات الجوهر الفرد « 89 » ، وأنّ الأجسام متركّبة عنه ، فبعضهم يقول : إنّ الجواهر كانت ثابتة في عدمها ، والفاعل المختار كساها صفة التأليف والوجود .
وبعضهم وإن منع ثبوتها في العدم إلّا أنّه يقول : إنّ اللّه تعالى يوجد أوّلا تلك الجواهر ثمّ يؤلّف بينها ، فيوجد منها الأجسام .
فكيف قلتم : إنّ السماوات والأرض تكوّنت من الماء .
قلنا : هذا ظاهر لأنّه يجوز أن يخلق اللّه تعالى أوّل الأجسام من تلك الجواهر ، ثمّ تكوّن باقي الأجسام عن الأجسام الأولى .
وأمّا الحكماء فلمّا لم يكن الترتيب الّذي اقتضته هذه الظواهر وتكوين الأجسام موافقا لمقتضى ادلّتهم ، لتأخير وجود العناضر عندهم عن وجود السماوات ، لا جرم عدل بعضهم إلى تأويلها توفيقا بينها وبين أدلّتهم .
( في معنى فتق السّماوات والأرض )
وإذا عرفت هذا فاعلم أنّ للناس في تفسير قوله تعالى :
أَ وَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما
[ الأنبياء : 30 ] .
أقولا ، أحدها ما قال بعضهم : أنّ السماء والأرض كانتا شيئا واحدا
هامش
( 89 ) قوله : على إثبات جوهر الفرد .
راجع في تفصيله « الملل والنحل » للشهرستاني الجزء الثاني ، الفصل الأوّل من الباب الثاني ص 61 ، وأيضا أسفار الأربعة لصدر المتألهين ج 5 ، المطلب الأوّل في تجوهر الأجسام ص 64 إلى 2 ، وج 2 ص 253 المبحث الثاني .