الجمع والخفاء الّذي هو الدّواة إلى محلّ الظهور والتفصيل الّذي هو الرّوح فالنّفس الكلّيّة في قبول الصور المعلومات المفصّلة بمثابة اللوح ، واللوح المحفوظ عبارة عنها .
وكما أنّ النّفس محلّ تفصيل حقائق المعلومات فالجسم محلّ تفصيل صورها ، وفي كلّ نفس من النفوس الجزئيّة الإنسانيّة مكنون ( مكتوب ) بعض تلك الحقائق على قدر ما شاء اللّه أن يحيط ولا ينكشف لها شيء ممّا أحاطت به إلّا عند تجرّدها عن الغواشي البشريّة ، ولذلك ينكشف لها في النوم بعض المغيّبات ، لأنّه نوع من التجرّد .
ومثابة العقل من الرّوح الأعظم في هذا المثال مثابة اللسان من القلم ، إذ العقل لسان الرّوح وترجمانه ، وسمّى الرّوح أيضا نفس الرّحمن لأنّه تعالى ينفخ منه في كلّ ذي روح ، والنفخ لا يكون إلّا من النفس ، وكما أنّ النّفس ريح يكون مظهر الحياة فالرّوح ريح طيّبة يكون مظهر الحياة ، وكما أنّ النّفس مادة لصور الكلمات فالرّوح مادّة لصور كلمات الأرواح الفائضة على الأشخاص البشريّة في قوله تعالى :
وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ
[ النساء : 171 ] .
إشارة إلى هذا التناسب ، وخصّ الرّوح بالنّطق لاختصاصه بصفة الكلام ونطق النّفس فرع نطقه لأنّها جزء منه ، واختصاص الرّوح بالكلام لأنّه من الأمر والأمر كلام يطلب الوجود فلذلك لا يتوجّه خطاب الشرع إلّا عند ظهور العقل لأنّه دليل الظهور الرّوح والنّفس الإنسانيّة .
والغرض من نقل هذا الفصل كان هذا الكلام الأخير المتعلّق ببيان إخراج الكلمات الإلهيّة من القوّة إلى الفعل ، ومن الإجمال إلى التفصيل وإن كان الكلّ عند التحقيق مقصود ، وصاحب هذا الفصل ذكر هذا المعنى