تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اسئلة القرآن المجيد وأجوبتها من غرائب آي التنزيل — صفحة 142

مساهمون:

ص١٤٢
الثاني : أنه دعا بذلك مع علمه إظهارا للعبودية والافتقار وشدة الرغبة في طلب سعادة الخاتمة وتعليما للأمة وطلبا للثواب . [ 496 ] فإن قلنا : كيف يجتمع الإيمان والشرك وهما ضدان ؛ حتّى قال تعالى :
وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ
[ يوسف : 106 ] ؟ قلنا : معناه وما يؤمن أكثرهم بأن اللّه تعالى خالقه ورازقه وخالق السماوات والأرض قولا إلا وهو مشرك بعبادة الأصنام فعلا . الثاني : أن المراد بها المنافقون يؤمنون بألسنتهم قولا ويشركون بقلوبهم اعتقادا . الثالث : أن المراد بها تلبية العرب ، كانوا يقولون : لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك ؛ فكانوا يؤمنون بأول تلبيتهم بنفي الشريك ، ويشركون بآخرها بإثباته . [ 497 ] « 1 » فإن قيل : هذه التلبية توحيد كلها ولا شرك فيها ؛ لأن معنى قولهم إلّا شريكا هو لك : إلا شريكا هو مملوك لك موصوفا بأنك تملكه وتملك ما ملك ، واللام هنا للملك لا لعلاقة الشركة ، وهذا الاستثناء يحتمل أن يكون حقيقيا ويحتمل أن يكون مجازيا ، بيان الأول أنا إن قلنا إن اللام حقيقة في المعنى العام في مواردها وهو الاختصاص يكون قولهم : لا شريك لك ، عاما في نفي كل شريك يضاف إلى اللّه تعالى بجهة اختصاص ما ، فيدخل في النفي من جهة لفظ الشريك المضاف بجهة المملوكية ، وهو شريك زيد وعمرو ونحوهما ثم يقطع عليه الاستثناء فيكون استثناء حقيقيا ، وإن قلنا إنها مشتركة بين المعاني الثلاثة الموجودة في موارد استعمالها وهي الملك والاستحقاق ، ويقال الاختصاص والعلية ، فقولهم : لا شريك لك يكون عاما أيضا عند من يجوز حمل المشترك على مفهومه في حالة واحدة فيكون الاستثناء أيضا حقيقيا كما مر ، وأما على قول من لا يجوّز ذلك يكون النفي واردا على أحد مفهوماته وهو علاقة الشركة ، فيكون الاستثناء بعده مجازيا ، من باب تأكيد المدح بما يشبه الذم ، وهو نوع من أنواع البلاغة مذكور في علم البيان ، وشاهده قول الشاعر :
ولا عيب فيهم غير أنّ سيوفهم * بهنّ فلول من قراع الكتائب
معناه : إن كان هذا عيبا ففيهم عيب ، وهذا ليس بعيب فلا يكون فيهم عيب ، فكذا هنا ، معناه : إن كان الشريك المملوك لك يصلح شريكا فلك شريك ، وهو لا يصلح شريكا لك ، فلا يكون لك شريك ؛ لأنّ كل ما يدّعى أنه شريك لك فهو مملوك
هامش
( 1 ) ( [ 497 ] ) البيت للنابغة الذبياني وهو في ديوانه : 44 . وانظر البصائر 2 / 432 ، من قصيدة له في مدح الحارث الأصغر .
اسئلة القرآن المجيد وأجوبتها من غرائب آي التنزيل — صفحة 142 | محمد بن أبي بكر بن عبد القادر الرازي