تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اسئلة القرآن المجيد وأجوبتها من غرائب آي التنزيل — صفحة 139

مساهمون:

ص١٣٩
من الأوقات وما نحن فيه من النوع الثاني ، وسيأتي نظير هذا السؤال في سورة إبراهيم عليه السلام في قوله تعالى :
أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا
[ الأعراف : 88 ] . [ 487 ] فإن قيل : كيف قال تعالى :
أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ
[ يوسف : 40 ] فسر الأمر بالنهي أو بما جزؤه النهي وهما ضدان ؟ قلنا : فيه إضمار أمر آخر تقديره أمر أمرا اقتضى أن لا تعبدوا إلا إياه وهو قوله تعالى :
فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ
[ العنكبوت : 56 ] فإنه باعتبار تقديم المفعول في معنى الحصر كما قال في قوله تعالى :
إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ
[ الفاتحة : 5 ] . الثاني : أن فيه إضمار نهي تقديره : أمر ونهي ، ثم فسر الأمرين بقوله تعالى :
أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ
[ يوسف : 40 ] . الثالث : أن قوله تعالى :
أَلَّا تَعْبُدُوا
[ يوسف : 40 ] وإن كان مضادا للأمر من حيث اللفظ فهو موافق له من حيث المعنى ، فلم قلتم إن تفسير الشيء بما يضاده صورة ، ويوافقه معنى غير جائز . وبيان موافقته معنى من وجهين : أحدهما : أن النهي عن الشيء أمر بضده ، وعبادة اللّه ضد عبادة غير اللّه . الثاني : أن معنى مجموع قوله تعالى :
أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ
[ يوسف : 40 ] اعبدوه وحده فيكون تفسيرا للأمر المطلق بفرد من أفراده وأنه جائز . [ 488 ] فإن قيل : الأنبياء عليهم السلام أعظم الناس زهدا في الدّنيا ورغبة في الآخرة ، فكيف قال يوسف ، عليه السلام :
اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ
[ يوسف : 55 ] ؛ طلب أن يكون معتمدا على الخزائن متوليا لها وهو من أكبر مناصب الدنيا ؟ قلنا : إنما طلب ذلك ليتوصل به إلى إمضاء أحكام اللّه تعالى وإقامة الحق وبسط العدل ونحوه مما يبعث له الأنبياء ، ولعلمه أن أحدا غيره لا يقوم مقامه في ذلك ، فطلب التولية ابتغاء لوجه اللّه تعالى وسعيا لمنافع العباد ومصالحهم لهم لا لحب الملك والدنيا ، ونظيره قوله تعالى :
وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ
[ الأعراف : 188 ] يعني لو كنت أعلم أي وقت يكون القحط لادّخرت لزمن القحط طعاما كثيرا ، لا للحرص ؛ لكن لأتمكن من إعانة الضعفاء والفقراء وقت الضرورة والمضايقة ، ويحتمل أن يكون علم تعينه بذلك العمل فكان طلبه واجبا عليه . [ 489 ] فإن قيل : كيف جاز ليوسف عليه السلام ، أن يأمر المؤذّن أن يقول :
أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ
[ يوسف : 70 ] وذلك بهتان وتسريق بالصّواع لمن لم يسرقه ، وتكذيب للبريء واتهام من لم يسرق بأنه سرق ؟ قلنا قوله :
إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ
تورية عما جرى منهم مجرى السرقة ، وتصور بصورتها ، من فعلهم بيوسف ما فعلوه أولا .