تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اسئلة القرآن المجيد وأجوبتها من غرائب آي التنزيل — صفحة 140

مساهمون:

ص١٤٠
الثاني : أن ذلك القول كان من المؤذن بغير أمر يوسف عليه السلام ، كذا قاله بعض المفسرين . الثالث : أن حكم هذا الكيد حكم الحيل الشرعية التي يتوصل بها إلى مصالح ومنافع دينية ، كقوله تعالى لأيوب عليه السلام :
وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ
[ ص : 44 ] وقول إبراهيم ، عليه السلام ، في حق زوجته هي أختي لتسلم من يد الكافر ، وما أشبه ذلك . [ 490 ] فإن قيل : كيف تأسف يعقوب عليه السلام على يوسف دون أخيه بقوله :
يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ
[ يوسف : 84 ] والرزء الأحدث أشد على النفس وأعظم أثرا ؟ قلنا : إنما يكون أشد إذا تساوت المصيبتان في العظم ولم يتساويا هنا ، بل فقد يوسف كان أعظم عليه وأشد من فقد أخيه ، فإنما خصه بالذكر ليدل على أن الرزء فيه مع تقادم عهده ما زال غضا طريا . [ 491 ] فإن قيل : كيف قال تعالى :
وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ
[ يوسف : 84 ] والحزن لا يحدث بياض العين لا طبا ولا عرفا ؟ قلنا : قال ابن عباس ، أي من البكاء ؛ لأن الحزن سبب البكاء ، فأطلق اسم السبب وأراد به المسبب . وكثرة البكاء قد تحدث بياضا في العين يغشى السواد ، وهكذا حدث ليعقوب عليه السلام . وقيل : إذا كثرت الدموع محقت سواد العين وقلبته إلى بياض كدر . [ 492 ] فإن قيل : كيف قال يعقوب عليه السلام :
إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ
[ يوسف : 87 ] مع أن من المؤمنين من ييأس من روح اللّه ، أي من فرجه وتنفيسه أو من رحمته ، على اختلاف القولين ؛ إما لشدة مصيبته أو لكثرة ذنوبه ، كما جاء في الحديث في قصة الذي أمر أهله إذا مات أن يحرقوه ويذروا رماده في البر والبحر ففعلوا به ذلك ، ثم إن اللّه غفر له كما جاء مشروحا في الحديث المشهور ، وهو من الصحاح ؛ مع أنه يئس من رحمة اللّه تعالى ، وضم إلى يأسه ذنبا آخر وهو اعتقاده أنه إذا أحرق وذري رماده لا يقدر اللّه على إحيائه وتعذيبه ، ومع هذا كله يغفر له ، فدلّ على أنه لم يمت كافرا ؟ قلنا : إنما ييأس من روح اللّه الكافر لا المسلم عملا بظاهر الآية ، وكل مؤمن يتحقق منه اليأس من روح اللّه فهو كافر في الحال حتى يعود إلى الإسلام بعوده إلى رجاء روح اللّه ، وأما الرّجل المغفور له في الحديث فلا نسلم أنه لم يكفر ، ثم إن اللّه تعالى لما أحياه في الدنيا عاد إلى الإسلام بعوده إلى رجاء روح اللّه تعالى فلذلك غفر له ، وقد يكون قد عاد إلى رجاء روح اللّه تعالى قبل موتته الأولى ، ولم يتسع له الزمان