تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 296

مساهمون:

ص٢٩٦
يَمَسُّهُمْ فِيها نَصَبٌ
غفر لهم علل الحدوثية ، ورحمهم بأنه ألبسهم لباس الربوبية حتى بقوا به معه من غير زوال ، وأن عذابه هناك لو أطلق عنانه يحرق الجمهور بنيران سر كبريائه وحقيقة أوليته ، أخبر عن تلك الصفتين ما أخبر عن مباشرة صفة القهر ، بل أخبر عن استغراقهم في بحر رحمة مشاهدته وغيبوبتهم في حجال وصلته ؛ فإنه الغفران الحقيقي . قال سبحانه :
لا يَمَسُّهُمْ فِيها نَصَبٌ
وانحسم باب القهر بقوله :
وَما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ
، وأيضا أخبر عن الوصفين من أوصاف المغفرة والرحمة ، وهما في الحقيقة صفتان قديمتان باقيتان ، وأن عذابه صفة فعله ، وإذا قورن الفعل بالصفة لزال الفعل في الصفة ، فإذا مقام الرجاء أقوى من مقام الخوف ؛ لأن الرجاء من شقائق الإنس ، والبسط وهو باق أبدا مع العبد ؛ لأنه من تأثير تلك الصفة ، وزال الخوف ؛ لأن في جواره لا يبقى الخوف ، ألا ترى إلى قوله :
فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ *
بزوال العذاب ، وغيبة الفعل في الصفة . قال ابن عطاء : أقم عبادي بين الخوف والرجاء ليصحّ لهم سبيل الاستقامة في الإيمان ؛ فإن من غلب عليه رجاؤه عطّله ، ومن غلب عليه خوفه أقنطه . قال الجنيد في هذه الآية : النبأ سابق إليهم في الدنيا باجتماعهم في الآخرة ، فلذلك لا يشكون ولا يضعفون ، ويطيقون حمل البلاء فهم في سعة من العيش في كل حال ، كل ذلك لسعة علمهم باللّه ، وسكونهم إلى مواعيده فحملوا الحقوق ، وما خفي عليهم شيء مما خفي على غيرهم ، وهم مشرفون باللّه على ما له منهم ، وما لهم عنده . وقال ابن عطاء : إن اللّه تعالى وصف نفسه بالفضل والعدل ، ولا يوصل فضله إلى عبد إلا أنجاه من كلّ بلية وهمّ ، ولا وضع عدله على أحد إلا أهلكه ، وأوصل عدله إلى إبليس مع طول عبادته التي توهم أنها تنجيه ، وتقربه إلى ربه ، فأبعده بعدله ، وأخزاه إلى أبد الأبد ، وأوصل فضله إلى السحرة ، وهم يقولون لفرعون : بعزتك ، فردهم مما هم فيه بفضله إلى محل السعداء ، فتلاشى كفرهم ومعصيتهم . [ سورة الحجر ( 15 ) : الآيات 54 إلى 71 ] قالَ أَ بَشَّرْتُمُونِي عَلى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ ( 54 ) قالُوا بَشَّرْناكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُنْ مِنَ الْقانِطِينَ ( 55 ) قالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّالُّونَ ( 56 ) قالَ فَما خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ ( 57 ) قالُوا إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ ( 58 ) إِلاَّ آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ ( 59 ) إِلاَّ امْرَأَتَهُ قَدَّرْنا إِنَّها لَمِنَ الْغابِرِينَ ( 60 ) فَلَمَّا جاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ ( 61 ) قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ ( 62 ) قالُوا بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ ( 63 ) وَأَتَيْناكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصادِقُونَ ( 64 ) فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبارَهُمْ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ ( 65 ) وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ ( 66 ) وَجاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ ( 67 ) قالَ إِنَّ هؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ ( 68 ) وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ ( 69 ) قالُوا أَ وَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعالَمِينَ ( 70 ) قالَ هؤُلاءِ بَناتِي إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ ( 71 )