تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 299

مساهمون:

ص٢٩٩
وقال القرشي : أقسم اللّه بحياة محمد صلى اللّه عليه وسلم فقال :
لَعَمْرُكَ
؛ لأن حياته كانت به ، وهو في قبضة الحق ، وبساط القرب ، وشرف الانبساط ، ومقام الإنفاق ، فأقسم بحياته ، فقال :
لَعَمْرُكَ
أي : بحياة مثلك يكون القسم ؛ لأن الكل زاغوا وما زغت ، وطغوا وما طغيت ، وسألوا وما سألت ، حتى بدأناك بالإجابة قبل السؤال ، فحياتك هي التي بها حياة الخلق قبلك ، وبها حياة الخلق بعدك ، فإنك حيّ بحياتنا غير مباين عنّا بحال . وقال الخراز : وصفه لخلقه ، ثم ستره ببره عن خلقه .

[ تفسير الآية 75 ]

قوله تعالى :
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ
رهن الحق سبحانه الفراسة برؤية الآيات والشواهد ، كما قال في موضع آخر :
وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ
[ محمد : 30 ] ، و
تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ
[ البقرة : 273 ] ، وهذه أوصاف البدايات في الفراسة ، حيث يحتاج إلى النظر إلى العلامات ، وأصل الفراسة إصابة نظر الروح إلى مقدرات الغيبية بلا علامة ولا علة ولا سبب ، بل يتعلق هذه الفراسة بانكشاف ما يبدو من الغيب بنور الغيب ، وسر المقدور ، وخفيات الضمائر ، ومكنونات السرائر لأبصار الأرواح الناطقة بالحق ، المسامعة أصوات أنباء الغيبية ، الشاهدة مشاهدة الحق ، فترى بالحق بعد أن تكون موصوفة بصفة الحق ما للحق ، فكيف يخفى شيء عمّن ينظر بالحق ويبصره ؛ لأنه تعالى سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ولسانه الذي ينطق به من جهة الاتصاف ، والاتحاد بالنعوت الأزلية . وافهم أن الفراسة على عشرة مراتب : فبعض الفراسة يحصل بعين الظاهر ورؤيتها إلى منقلبات الآيات والأفعال في عالم الصورة ، وهي تصرف الحق مكان الآيات إعلاما من مكنون ما سترها من أعين الخلق ، وهذا تفرس بصرية ظاهرية مقرونة بعلم العقل والقلب والروح والنفس والسر وسر السر . والثاني : ما يسمع آذان العارفين حركات المعالم ، وما ينطق الحق وملائكته بألسنة الخلق والخليقة ، وذلك يسمع الظاهر ، وتلك الفراسة تتعلق بالأسماع الظاهرة ، وما يسمع أيضا بأسماع البواطن وقواها . والثالث من الفراسة : ما يبدو في صورة المتفرس من أشكال تصرف الحق وإنطاقه ، وجوده له حتى ينطق جميع شعيرات بدنه من حيث التصرف والتغير بألسنة مختلفة ، فيرى ويسمع من ظاهر نفسه ما يدل على وقوع الأمور الغيبية ، وذلك أيضا يتعلق بالرؤية والسمع وحركة الفطرة في الباطن ، وإيصالها بأجزاء الظاهر . والرابع : ما يحصل بحواس الباطن حيث وجدت بلطفها علامات أوائل المغيبات باللائحة الواضحة .