تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 295

مساهمون:

ص٢٩٥
بل كحلت بنور التوفيق ، فصارت إخوانا . قال الأستاذ : أمر الخليل عليه السلام ببناء الكعبة وتطهيرها ، فقال تعالى :
وَطَهِّرْ بَيْتِيَ
[ الحج : 26 ] ، وأمر جبريل عليه السلام حتى غسل قلب المصطفى صلى اللّه عليه وسلم ، وطهره وتولى نفسه تطهير قلوب العاصين ، فقال :
وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ
لا تقديما لهم على الأنبياء - عليهم السلام ، ولكن رفقا بهم ، وقد يصنع اللّه للضعيف ما يتعجب منه القوي ، ولو وكّل تطهير قلوبهم إلى الملائكة لا شتهر عيوبهم ، فتولّى ذلك بنفسه رفقا . ويقال قال اللّه تعالى :
وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ
، ولم يقل : ما في قلوبهم من غل ؛ لأن القلوب في القبضة يقلبها ، وفي الخبر : « قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء » « 1 » .

[ تفسير الآية 48 ]

ثم إنّ اللّه تعالى نفى عنهم النصب والمشقة في جواره بقوله :
لا يَمَسُّهُمْ فِيها نَصَبٌ وَما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ
آواهم إلى أنوار بقائه ، ومشاهدة جماله ، وحرسهم بها عن قهر سلطان الكبرياء القدم الذي لو هجم عليهم سطوة من سطواته يفنيهم عن اللذة ، وما هم فيه من الجنان كلها ؛ لأن الحادث إذا قرن بالقديم يزول من عظمته فيه بأقل من لمحة ، ولولا استتارهم بأستار نور البقاء لهلكوا في جلال الأزل ، كأنه تعالى حفظهم به عنه ، وأيضا لولا تفضله ورفقه بهم ؛ حيث أراهم جماله بوصف اللذة ؛ ليفنون في بوادي عزته وهيبة عظمته ، ومعنى قوله :
وَما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ
لأن هناك ليس مكان الامتحان والتربية ، وقد صار في زمان الغضب بوصف الرضا ، ويصير الغيرة مرتفعة من بين العاشق والمعشوق .

[ تفسير الآية 49 ]

قال النصر آبادي : أي نصيب يلحق في المجاورة لمن غفل عن اللّه تعالى ، وأما من انتبه فأي راحة للحدث في جنب القدم ، هل هو إلا تعذيب واستهلاك ؟ ثم رجع إلى المقامات ، ومحل الامتحانات ، ورعب المريدين بنيل الدرجات ، وهدد السالكين بنصب الحجاب ، وتعذيبهم بالعتاب ، بقوله :
نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ
يغفر جناية خطرات قلوب العارفين بعد إدراكهم مواضع خطرها ، وتداركهم بالندم على تضييع الأوقات ، وعمارتهم أسرارهم بأنواع الذكر وصفاء المناجاة يرحمهم بأن يوصلهم إلى أعلى مراتبهم من المكاشفات ، والمشاهدات ، وعذاب فراقه ، واحتجابه أليم لمن عرفه ، ثم يستأنس بغيره ، وإن كان واسطة مليحة ، ويمكن أنه تعالى أخبر عن تلك الأسرار التي ذكرناها في قوله :
لا
هامش
( 1 ) سبق تخريجه .