تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 297

مساهمون:

ص٢٩٧
[ سورة الحجر ( 15 ) : الآيات 65 إلى 71 ] فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبارَهُمْ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ ( 65 ) وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ ( 66 ) وَجاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ ( 67 ) قالَ إِنَّ هؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ ( 68 ) وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ ( 69 ) قالُوا أَ وَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعالَمِينَ ( 70 ) قالَ هؤُلاءِ بَناتِي إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ ( 71 )

[ تفسير الآية 54 ]

قوله تعالى :
قالَ أَ بَشَّرْتُمُونِي عَلى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ
ثم إنّ اللّه سبحانه إذا أغلق باب الفراسة على الأنبياء والصدّيقين لا يرون مرقومات المقدرات ، ولا يعلمون بحقائق المغيبات . ألا ترى كيف غاب حديث رؤية روح إسحاق عليه السلام ويعقوب عليه السلام عن الخليل عليه السلام حتى قنط من نفسه أن يكون ذلك في كبره ، ولو رأى ذلك في سرّ القدر لم يقل :
أَ بَشَّرْتُمُونِي عَلى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ
، ولم يكن شاكا في قدرة اللّه ، ولكن لم ير هناك في ذلك الوقت ما عند اللّه من مكنون سره ، وأيضا كان في كبر سنه هائما في أودية الخلة ، مستغرقا بوصف الشوق في بحار المحبة ، مستأنسا بجمال المشاهدة ، مستوحشا من أحكام الحدوثية ، فقال : أي وقت لتربية الولد ، وإني كنت على جناح سفر الوصلة ، وتصديق ذلك قوله :
فَبِمَ تُبَشِّرُونَ
أي : بأي شيء تبشرون ، وإني غائب في الحق . وأصل النكتة في هذا : إن الخليل رأى في سطور مقدرات الغيب بنور النبوة اسم إسحاق عليه السلام ويعقوب عليه السلام ، ورأى بروحه روحهما ، فقال : أبشرتموني على أن وصل إليّ الكبر ، وبلغني الحق إلى درجة الشيخوخة ، ولا يخفى مثل ذلك عليّ ،
فَبِمَ تُبَشِّرُونَ
، وإني أرى بنور نبوتي ما لا ترون بنور الملكية . قال الجوزجاني : أيام الكبر أيام القنوط من الدنيا وما فيها ، والإقبال على الآخرة ، وما عند اللّه . ألا ترى أن إبراهيم عليه السلام لم يقبل بشرى الولد من الملائكة عند الكبر ، فقال :
أَ بَشَّرْتُمُونِي عَلى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ
إلى أن ذكروا أن البشرى له من اللّه فزال عنه القنوط لعلمه بقدرة اللّه على ما يشاء « 1 » .
هامش
( 1 ) في قوله :فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِيشير إلى لوط : الروح ، وأهله : قواه ، فإن المؤمن يستأنس بالمؤمن ، والجنس إلى الجنس يميل ، والليل إشارة إلى ليل الجلال المقتضي للفناء المنتهى إلى الجمال المستلزّم للبقاء ، وفيه إن الأرض تطوى في الليل ، كما ورد : « عليكم بالدلجة » فإن الأرض تطوى في الليل ، والدلجة : السير في الليل ، ومن ذلك كان عبادات العباد في الليل أكثر ، وكانوا يستحلّونها لما