وقال الأستاذ : من أشهده الحق حقائق التوحيد ، ورأى العالم مصرفا في قبضة التقدير ، لم يكن يهبأ للأغيار ، ومتى يكون للغير عليه تسلط .
في معناه أنشد الحسين بن منصور - قدس اللّه سره :
جحودي لك تقديس * وعقلي فيك تهويس
وما آدم إلّاك * ومن في البين إبليس
[ تفسير الآية 46 - 45 ]
ثم إن اللّه سبحانه وصف تلك العباد الذين هم معصومون من شرّ إبليس بالتقوى ، وذكر منازلهم في جنات العلا وعيون الأسني ، وسلامته من البلوى ، بقوله :
إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ادْخُلُوها ( 45 ) بِسَلامٍ آمِنِينَ
أي أن الذين يغضون أبصارهم عن الأكوان والحدثان في جمال الرحمن هم في جنات مشاهدات الذات وعيون الصفات يشربون من سواقيها شرابات المحبة ، ورواق المعرفة ، يقول حبيبهم : « ادخلوا بساتين القدم والبقاء بسلامة من الانقطاع ، والأمن من الفراق » « 1 » .
قال بعضهم : من اتقى الشرك فهو في بساتين وأنهار ، ومن اتقى اللّه فهو في حظيرة القدس عند مليك مقتدر .
وقال الواسطي : من اتقى العوض جعل ثوابه عليه ما يرجو ويأمله ، ومن اتقى العوض فالحق عوض له من كل ثواب .
وقال الأستاذ : المتقي من وقاه اللّه بتفضل الأمن ، اتقى بتكلفة لا بل يبقى بتكلفة ، لا بعد أن وقاه الحق بتفضله ، فهم اليوم في جنات ولها درجات ، بعضها أرفع من بعض ، كما أنهم غدا في جنات ، ولها درجات بعضها فوق بعض ، فدرجة قوم حلاوة الخدمة واللذة الطاعة ولقوم البسط والراحة ، والآخرين الرجاء والرغبة ، ولآخرين الأنس والقربة ،
قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ *
[ البقرة : 60 ] ، ولزم كل فريق منهم اليوم مذهبهم .
قال الأستاذ في قوله :
ادْخُلُوها بِسَلامٍ آمِنِينَ
: معناه يقال لهم : ادخلوها ، وأجمل ذلك ، ولم يقل من الذي يقول لهم : ادخلوها ؟ فقوم يقول لهم الملك : ادخلوها .
ويقال : يحتمل أنهم لا يدخلونها بقول الملك حتى يقول الحق لهم : ادخلوها كما قالوا :
فلا ألبس النّعمى وغيرك ملبس * ولا أقبل الدّنيا وغيرك واهب
[ تفسير الآية 47 ]
ثم إن اللّه سبحانه زاد وصف المتقين ، أنهم مقدسون من غل النفساني وغش الشيطاني
هامش
( 1 ) لم أقف عليه .