الإياس ؛ فكذلك يفتح الأحوال بعد اليأس منها ، والرضا بالإفلاس عنها .
[ تفسير الآية 111 ]
قوله تعالى :
لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ
أي : لزوم الأحوال من العارفين والمحبين والصادقين والمتقين والصابرين والعاشقين ؛ لأن فيها من مقلوبات أهل الولاية ما يليق بشأنهم من الفراق والوصال والبلاء والامتحان والعشق والمحبة ، وتحمل الجفاء والمكاشفة والبراهين الساطعة ، اقتداء بهم وطلبا لما وصل إليهم من الدرجات الرفيعة والمقامات الشريفة .
قال جعفر الصادق رضي اللّه عنه : أولى الأسرار مع اللّه .
قال ابن عطاء : عبرة لمن اعتبر وموعظة لمن اتعظ في أن النفس ليس هي بمحل أمن ولا اعتماد عليها .
قال الأستاذ : منها للملوك في بسط العدل كما بسط يوسف عليه السلام وفي المن على الرغبة والإحسان إليهم كما فعل يوسف عليه السلام لما ملكهم أعتقهم كلهم ، ومن العبرة في قصصهم لأرباب التقوى أن يوسف عليه السلام ل ما ترك هواه رقى اللّه إلى ما دقاه ، ومن ذلك العبرة لأهل التقوى في اتباع الهوى من شدة البلاء ، كامرأة العزيز لما تبعت هواها لقيت ما ليقت من الضرر والفقر ، ومن ذلك العبر للمماليك في حفظ حرمة السادة كيوسف عليه السّلام لما حفظ حرمته في زليخا ملك منك بالعزيز وصارت زليخا امرأته حلالا ، ومن ذلك العفو عند القدرة كيوسف عليه السلام حيث تجاوز عن إخوته ، ومنها ثمرة الصبر كيعقوب عليه السلام لما صبر على مقاسات حزنه ، ظفر يوما بلقاء يوسف عليه السلام ، إلى غير ذلك من الإشارات في قصة يوسف عليه السلام .
وقال تعالى :
وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
فيه بيان جميع المقامات والمعاملات والمكاشفات والمشاهدات والآيات والكرامات والمنجيات والمهلكات ولطائف الإشارات إلى علوم اللدنية ، والأسرار العجيبة ، وهدى أي هاديا لمن له استعداد هذه الواقعات في طريق اللّه ، وما يبدوا منه نعم مشاهدته ، وكرائم ألطافه ورحمة ، أي : هاديا لقلوب المحزونين ، وباكورة لفؤاد المحبين ، وشمومة لأرواح العارفين ، الذين يؤمنون باللّه لا بأنفسهم ، يعرفون ربه لا بما منه ، فإن ما منه محل الامتحان ، وهو تعالى بجلاله معادن العرفان ، واللّه أعلم .
* * *
سورة الرعد
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم
[ سورة الرعد ( 13 ) : الآيات 1 إلى 5 ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
المر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ ( 1 ) اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ ( 2 ) وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ وَأَنْهاراً وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ( 3 ) وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ وَغَيْرُ صِنْوانٍ يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ( 4 )
وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَ إِذا كُنَّا تُراباً أَ إِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولئِكَ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ( 5 )