مضمحلة من الحق بل أدعوكم إلى اللّه حتى تعرفونه أنكم لا تعرفونه ولا تبصرونه بالحقيقة ، فإنه أعز من أن يدرك بالأبصار والبصيرة ، وهكذا من سلك سبيلي فأنا يفني في حقيقتي ، يعلم أن إدراكه بالحقيقة محال ، وسبحان اللّه هو منزّه عن إدراك المدركين - وإن كان نبيا مرسلا ، وملكا مقربا
وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ
إنهم يظنون أنه تعالى مدركهم .
[ سورة يوسف ( 12 ) : الآيات 110 إلى 111 ]
حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جاءَهُمْ نَصْرُنا فَنُجِّيَ مَنْ نَشاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ ( 110 ) لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ( 111 )
[ تفسير الآية 110 ]
قوله تعالى :
حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ
أخبر سبحانه من سنته القائمة ، ومشيئته الثابتة القديمة التي أجراها على أهل العناية من الأنبياء والمرسلين والعارفين والمحبين ؛ حيث حبسهم في أسبحان انتظار كشوف الغيب حتى بلغ قلوبهم إلى محل القنوط من وضوح جلاله وبرهان شمائله وقدسه وعزته ، وخافوا من سوابق قهرياته وتنزيه ربوبيته عن كون الخلق وعدمه ، فلمّا ذابت قلوبهم ، واضمحلت أسرارهم ، ومنيت عقولهم ، وتحيرت أشباحهم ، تطلع بكرمه من مشارق أسرارهم شموس أنور ذاته ، وأنوار أقمار صفاته ، حتى لا يبقى من ظلمة الالتباس وغبار الوسواس أثر ، وهذا حتى قوله سبحانه :
وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جاءَهُمْ نَصْرُنا
خافوا على الغير لا على أنفسهم لئلا يهلكوا ، فإنهم في رؤية مشاهدة القدم بأسراره نبعت السرمدية ، هذا معنى الانتظار واضطرابهم وشوقهم إلى وضوح الأنوار .
لا من الشك في خصوصية الولاية وسبق العناية في النبوة والرسالة ، وفي القراءة قرئ
قَدْ كُذِبُوا
بالتخفيف ؛ فعذره أنهم استغرقوا في قلزم « 1 » الأزلية ، وغابوا تحت بحار الديمومية ، ولم يروا الحق من كمال استغراقهم في الحق ، فلمّا لم يروه ناداهم بلسان عبرة قهر القديم ، أين أنتم ؟ غبتم عنه وعن الحقيقة ، فيطلع أنوار الحقيقة عليهم ، ويأخذ لطفها عن شبكات امتحان القهر ، وهذا دأب « 2 » الحق مع الأولياء حتى لا يسكنوا إلى ما وجدوا منه ، بل يفنوا به من كل ماله .
يقال : حكم اللّه بأنه لا يفتح للمريدين شيئا من الأحوال إلا بعد يأسهم منها .
وقال : وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته ، فكما أنه ينزل المطر بعد
هامش
( 1 ) القلزمة : ابتلاع الشّيء ، وبه سمّي البحر قلزما .
( 2 ) في المخطوط : أداب .