تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 218

مساهمون:

ص٢١٨
وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ وَأَنْهاراً
بسط أراضي قلوب أوليائه ببسط نور المحبة ، وجعل فيها رواسي المعرفة ؛ لئلا يتزلزل بغلبات هيجان المواجيد ، وأجرى فيها أنهار علوم الحقائق ، وأنبتت فيها أنواع أزهار الحكم وأشجار الفطن ، وأثمرها بثمرات المقامات والحالات بقوله :
وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ
، وقرن بكل مقام حالا بقوله تعالى :
جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ
ثم يمد عليها أطلال المشاهدة ، ويطلع عليها شمس العناية بدوام الكفاية بقوله :
يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ
ثم وصفها ووصف أصحاب هذه القلوب الذين هم رواسي الأرضين ، وأنفاسهم أعمدة السماوات ، ورؤيتهم مشكاة أنوار الآيات إنهم علامات شمائله وسرج مشكاة قدرته لأهل التفكر في الإرادة والتذكر في المحبة بقوله :
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ
. قال بعضهم : هو الذي بسط الأرض وجعل فيها أوتادا من أوليائه وسادة من عبيده فإليهم الملجأ وبهم الغياث ، فمن ضرب في الأرض بقصدهم فاز ونجا ، ومن كان سعيه لغيهم خاب . قال الجريري : كان في جوار الجنيد إنسان مصاب في خربة ، فلمّا مات الجنيد وحملنا جنازته حضر الجنازة ، فلما رجعنا بقدم خطوات وعلا موضعا عليّا من الأرض واستقبلني بوجهه ، وقال : يا أبا محمد تراني أرجع إلى تلك الخربة ، وقد فقدت ذلك السيد ثم أنشد بقوله :
وا أسفي من فراق قوم * هم المصابيح والحصون
والأسد والمزن والرّواسي * والخير والأمن والسّكون
لم تتغير لنا الليالي * حتى طوّقهم المنون
فكلّ جمر لنا قلوب * وكلّ ماء لنا عيون
قال بعضهم : الفكرة تصفية القلوب لموارد الفوائد . قال أبو عثمان : الفكرة استرواح القلب من وساوس التدبير .

[ تفسير الآية 4 ]

ثم وصف أراضي القلوب وما فيها من أشكال العيوب بقوله :
وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ
قلوب المحبين متجاورات لقلوب المشتاقين ، وقلوب المشتاقين متجاورات قلوب العاشقين ، وقلوب العاشقين متجاورات قلوب الوالهين ، وقلوب الوالهين متجاورات قلوب الهائمين ، وقلوب الهائمين متجاورات قلوب العارفين ، وقلوب العارفين متجاورات قلوب الموحدين ، وفي أرض قلوب العارفين قطع متجاورات قطع النفوس الأمّارة متجاورات بعضها بعضا ، وقطع العقول متجاورات بعضها بعضا ، وقطع الأرواح