تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 213

مساهمون:

ص٢١٣
لقيت الأنبياء بهاتين الخصلتين لأفلستهم أجمعين ، وإني بالبصيرة والعالم كلهم مرتبطون تحت الجناح بها يقومون إليها يؤمرون ، والأصل بصورة قاطعة ، ونخيرة فائقة لضعف البصائر أطلق من أطلق الثناء من الملأ الأعلى كمن أبصر البحر أخرسه ذكره ، فكيف إذا تجاذبته الأمواج وأخذته اللجج ، وحقيقة بصيرة الناس هو مشاهدة رؤية الشيء ، وهو قوله :
أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ
إذ باللّه صحت البصائر ، والبصيرة أعلى من النور ؛ لأنه لا يصح البصيرة لأحد وهو تحقق رق ملك وما دام للشواهد والأعراض عليه أثر كانت بصيرته واهية . قال بعضهم : الدعاء من البصيرة ، والنفاق من ضعف النخيرة . وقال : البصيرة من لباس الأرواح ليس لها من الأجسام حظ . وقال الواسطي : على بصيرة أيقن أنه ليس إليه من الهداية شيء ، وقوله :
أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي
على ذلك ، وعلمهم بالتفويض ، والتسليم إمرتهم ،
وَسُبْحانَ اللَّهِ *
أنزه الحق عن أن يروم أحد السبيل إليه إلا به
وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ
، ادعى لنفسي مع الحق شامل الكل لمن له الكل . وقال ابن عطاء : البصيرة أحرقت المعلوم والموعظة المحجوبة بظلم الأطماع ، أما علمت أنه لا يصح بصيرة لأحد وهو تحت رق الملك وأدام الشواهد والأعراض عليه أثر كانت بصيرته واهية ، والبصيرة إذا صحت سلم صاحبها من كل آفة . وقال ابن عطاء : الفرق بين البصيرة والسكينة أن البصيرة مكشوفة ، والسكينة مستورة . ويقال : البصيرة أن يطلع شموس العرفان ؛ فيندرج فيها أنوار العقول . ولي ها هنا دقيقة فيها مشابهة كلام الكبراء في هذه الآية أدق مما ذكرت من الأول ، أي : قل يا محمد هذه التي رأيتم مني من سنن الإلهية التي اختار لي في الأزل هي الشريعة ، ووراء الشريعة الطريقة ، ووراء الطريقة الحقيقة ، ووراء الحقيقة حقيقة الحقيقة ، وهي البصيرة وتلك البصيرة إشراق جمال القدم لبصر الروح المطمئنة الساكنة باللّه ، الطائرة في اللّه ، الهائمة للّه التي طارت من قفص العدم في أنوار القدرة ، ولا يسكن من طيرانها في أنوار الكبرياء والبقاء إلى الأبد ، فموضع البصيرة إدراك نظر تلك الروح ، وموضع الإدراك بصر الروح ، فتلك البصيرة نور كشف صفات الحق المتصل على السرمدية بذلك الأمور ، ويزيد ذلك النور حتى يضمحل فيه ذلك الإدراك ، ويغلب سطواته حتى ينطمس تلك العين في ذلك النور ، فلا يبقى هناك إلا نور الحق ، وكيف يبقى الحدث في القدرة وعز السرمدية بسطواتها ، يذهب آثار الحدثين في أوائل ظهور العرفان ، أي في هذه حالتي وسبيلي مع اللّه ، وأنا لا أدعوكم إلى هذه فإنها قاصرة