تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 211

مساهمون:

ص٢١١
الأمي أمرا سماوي عرفه اللّه بالوحي الصادق والكلام الناطق بقوله :
ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ
لتخبر العاشقين والمحبين والمؤمنين لتسلي بها ألم فؤادهم وتعرفهم بها الصبر في بلائه ، والشكر في آلائه ، والشوق إلى لقائه . [ سورة يوسف ( 12 ) : الآيات 105 إلى 107 ] وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ ( 105 ) وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ ( 106 ) أَ فَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غاشِيَةٌ مِنْ عَذابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ( 107 )

[ تفسير الآية 105 ]

قوله سبحانه وتعالى :
وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ
أخبر سبحانه أنه جماله وقدرته ألبس أنوار قدرته وهيبته على آيات السماوات والأرض ، وجعل كل ذرة من العرش إلى الثرى مرآة يتجلى منها لذوي البصائر من العارفين ، وذوي العقول من الموحدين ، ولا يريها إلا لمن كان له بصير منور بنور الإيقان والعرفان ، وأعلمنا أن أهل الجهل والغباوة محتجبون عنها حيث يرون ظاهرها ولا يرون حقائقها ، وأيضا آيات السماوات شواهد الملكوت وآيات الأرض سلاسل بيداء الجبروت من العارفين والمحبين . قال ابن عطاء : نظروا إليها بأعينهم ولم يلاحظوها بأبصارهم ، فلا يكشف الأبصار لهم .

[ تفسير الآية 106 ]

وقال : بعضهم لعلمهم من مواضع المكرمات والآيات من اللّه ، وإلا تكاد على من ظهر ذلك عليهم ، ثم شدد الأمر سبحانه ودقق على المجهور في أمر التوحيد وإفراد القدم على الحدوث بقوله :
وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ
وصف الكل في التوحيد بالإشارة إلى غيره في مقاماتهم ، وذلك وصف من نظر إلى الوسائط والشواهد في معرفته وما بدأ من لطيف صنائعه بأهل معرفته حتى بلغ الشرك إلى نهاية أن من أحب اللّه تعالى لذوق قلبه من مشاهدته ؛ فإنه مشرك في حقيقة التوحيد ؛ لأن من أحب حقيقة التوحيد حبه لربوبيته ولوجوده لا بجوده ، ومن نظر في رؤية الحق إلى نفسه أو إلى غيره من العرش إلى الثرى لم يكن موحدا محققا ، وهذا مذهب الجمهور من العارفين . قال الواسطي : إلا وهم مشركون في ملاحظة الخواطر والحركات . وقال بعضهم : إلا وهم مشركون في رؤية التقصير عن نفسه والملازمة عليها . قال الواسطي : رؤية التقصير من النفس شرك ؛ لأن من لاحظ نفسا من نفسه ، فقد جحد الأزلية للحق ، ومن لام نفسه في شيء من أموره فقد أشرك .