تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 198

مساهمون:

ص١٩٨
الخجالة بين يديه ؛ فإنه يعفو عنكم ، وفيه إشارة تعليم عزة قدرته أي : لا تيأسوا من قدرة اللّه ؛ فإنه قادر بأن يوصل يوسف عليه السلام إلينا بأقل من طرفة عين ، ولو كان فانيّا ، وإن من لم يؤمن بذلك مبعدة من اللّه بقوله :
إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ
، وإنهم إن الإياس في مقام الإيمان من صفات النفس الأمّارة ، والإياس في صفات المعرفة من صفات القلب ، وذلك قنوطه من وصوله إلى مطالعة حقائق القدم ، وذلك من غلبة التوحيد ، وإفراد القدم عن الحدوث ، وتحت ذلك الإياس بحار من حسن الرجاء بالوصال ، والبقاء في البقاء ، وبعد الفناء في الفناء ، وعن رؤية سرمدية القدر . وقال الجنيد : يحقق رجاء الراجين عند تواتر المحن ، وترادف المصائب ؛ لأن اللّه يقول :
لا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ
، والنبي صلى اللّه عليه وسلم يقول : « أفضل العبادة انتظار الفرج » « 1 » .

[ تفسير الآية 88 ]

قال تعالى :
فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ
أما قوله : يا أيها العزيز أي : أيها المتلبس بأنوار الربوبية التي كسبت في الأزل ظاهرا وباطنا ، أيها الممتنع من أن يراك أحد بالشهوة ، وأيها الغالب على سلب قلوب الخلائق بالجمال والجلال مسنا وأهلنا ضر فراقك ، وبعد وصالك نحن في ضر جنايتنا محجوبون عن جمالك وأبوك وأهاليك في ضر البعاد عن رؤيتك ووصالك ، وأنشد :
كفى حزنا بالواله الصّبّ أن يرى * منازل من يهوى معطلة قفرا
مَسَّنا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ
من تضير اللّه إيانا في حقك وعتابه فيما فعلنا ، وأيضا مسّنا ضر الخجالة بين يديك ، قال تعالى :
وَجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ
بعذر من جنايتنا ما لا يليق بما فعلنا بك بكيل عفوك ، وتصدق علينا بالتجاوز عما فعلنا ؛ فإن اللّه يجزي المتصدقين بأنه يعافيك عما هممت به ، وبأن يكرمك أحسن الإكرام من لطيف الإنعام ، وما أحسن افتقار الفقراء أو المبتدئين عند أكابر القوم ، وتواضعهم بين أيديهم ، وتسميتهم بأسماء التعظيم ، كما فعل بنو إسرائيل عند يوسف عليه السلام باءوا بذكر المقاسات والفقر حين رأوا بساطا بسيطا عن ملكه وسلطانه . ثم ذكروا قلة بضاعتهم حين شاهدوا هيبة يوسف عليه السلام ومهابته وجلال قدره ، فلما انبسط إليهم انبسطوا إليه ، وقالوا :
فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ
فلما طالعوا أن بضاعتهم لا يليق بمثل بساطه تبسطوا ، وقالوا :
وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا
؛ فإن ما معنى لا يليق بعرض بيعك
هامش
( 1 ) رواه الترمذي ( 5 / 565 ) ، والبيهقي في « شعب الإيمان » ( 2 / 43 ) ، والطبراني في « المعجم الأوسط » ( 5 / 230 ) .
عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 198 | أحمد فريد المزيدي / روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )