بلائه يجازيه بلقائه الذي لا حجاب فيه ، ولا عذاب ولا حساب ، قال تعالى :
إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ
.
وأيضا أعلم من اللّه حقائق المكاشفات والمشاهدات والقربات ودقائق علومه الغيبية ، ومن كان بهذه الصفة لا يضع حمل مطاياه إلا في فناء عطاياه حتى يفعل ما يشاء .
قيل في المثل : عطاياه لا تحمل إلا مطاياه .
وأنشد ذو النون في هذا المعنى :
إذا ارتحل الكرام إليك يوما * ليلتمسوك حالا بعد حال
فإن رحالنا خطت رضاه * بحكمك عن حلول وارتحال
فشئنا كيف شئت ولا تكلنا * إلى تدبيرنا ذي المعالي
ويمكن أنه كان عليه السلام بشيرا إلى اللّه سبحانه يوصل إليه يوسف عليه السلام ، وبنيامين عن قريب فقال :
إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ
، وتصديق ذلك ما قاله سبحانه عقيب الآية بقوله :
يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ
.
قال أبو عثمان في قوله :
وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ *
: معناه علمي باللّه علم حقيقة ، وعلمكم به علم استدلال ، وقال أيضا : أعلم من اللّه إجابة دعوات المضطرين .
وقال بعضهم : أعلم من رحمته على عباده ما لا تعلمون .
قيل : لما شكا إلى اللّه وجد السلوة من اللّه .
ويقال : كان يعقوب عليه السلام متحملا بنفسه وقلبه مستريحا محمولا بسره وروحه ؛ لأنه علم من اللّه سبحانه صدق حاله فقال :
وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ *
في معناه والشك اليقين إذا ما تمنى الناس روحا وراحة تمنيت أن أشكو إليه فيسمع .
ومعنى قوله :
فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ
أنه كان يرى بعين سره ، وقدم صفائح قدس الغيب ، منقوشا بذكر الوصال ورؤية ذلك الجمال ، ووصل إلى مقام روحه روح نسيم يوسف عليه السلام ؛ فحكم حكما كاملا فقال : تحسسوا من يوسف عليه السلام بخواطركم الربانية والإحساس والروحانية حتى تجدونه ، وأيضا تحسسوا بجميع وجودكم وقلوبكم لا بنفوسكم الأمّارة ، وأيضا انقطعوا من جميع الأشياء في طلبه ، فإن متفرق الهمة لا يظفر بمأموله .
[ تفسير الآية 87 ]
قال تعالى :
وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ
لا تقنطوا من كرمه ورحمته في إرجاع يوسف عليه السلام وبنيامين إليّ ، وأيضا تحسسوا من يوسف عليه السلام ، ولا تيأسوا من روح اللّه ؛ فإنه لا يبقيكم في