تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 196

مساهمون:

ص١٩٦
خوّفوه بالهلاك والخرص ، وكيف يفزع العاشق من هلاكه في عشق محبوبه وهلاكه وحياته ؟ ! قال تعالى :
بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ
وكيف كان يسكن عن ذكر يوسف عليه السلام ، وفي بصر سرّه ينظر إلى شاهد خيال يوسف ؟ !
غاب وفي قلبي له شاهد * يولع إضماري بذكراه
مثلث الفكرة لي وجهه * حتى كأني أراه
قال أبو سعيد القرشي : لا تزال تذكر يوسف عليه السلام ، فمتى تذكر رب يوسف عليه السلام ؟ وقال أيضا : كل مشتاق لا يزال يذكر أنيسه وحبيبه حتى يغيره الناس على ذلك ، فإما يموت ، وإما يصل إلى قربة . فلذلك قوله :
تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ
قيل : أطيب الأشياء في الهوى الهلاك في حكم الهوى ، فكيف يخوف بالهلاك من كان أحب الأشياء إليه الهلاك ، فما سمع ملامتهم ولم يرهم أهلا لدائه وحمل موارد الحق عليه أعرض عنهم .

[ تفسير الآية 86 ]

وقال :
قالَ إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ
أي : أن ما أجد من امتحان اللّه عليّ وعظيم بلائه ، وما أرى فيها من لطائف صنعه وكشوف غرائب وجوده وأنوار وجوده لا البسط إلا في بساط الحق ، ولا أحمل ذلك إلا على الحق ؛ فإنه يحمل هذه الأثقال التي لو تحمل على السماوات والأرضين والجبال والبحار لتضمحل وجودها تحت سلطان قهرها ، وكيف أذكرها لكم وأنتم محجوبون عن ذلك ، وتصديق ذلك
وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ
كان بث يعقوب عليه السلام وحزنه من اللّه ، وكذا شكواه ؛ فقال : أشكو منه إليه ، وأفرق حزني بين يديه ؛ لأن ما منه لا يرجع إلا إليه ، ما أطيب شكوى المحب إلى حبيبه ؛ لأن الحبيب يعلم مداواة حبيبه لا غير ، إلى اللّه أشكو ما لقيت من الهجر وكثرة البلوى ، ومن قلة الصبر ، ومن حرق بين الجوانح والحشا كحجم العضا ، لا بل أحرّ من الجمر . قال سهل بن عبد اللّه : لم يكن حزن يعقوب عليه السلام على يوسف عليه السلام إنما كان مكاشفا لما وجد من قلبه شدة الوجد على مفارقة يوسف عليه السلام ، قال : كيف يكون وجد فراق الحق على مفارقة يوسف عليه السلام ، قال : كيف يكون وجد فراق الحق وقد عمل بي مفارقة يوسف عليه السلام كل هذا فشكا وبث وحزن وما وقع لي من قوله :
وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ
أي : أنا لا أشكو إلى غيره ، فإني أعلم غيرته على أحبائه وأهل معرفته ، إذا شكا إلى أحد إلى غيره يعذبه عذابا لا يعذبه أحدا من العالمين ، وأنتم لا تعلمون ذلك ، وأيضا أعلم من اللّه أن من صبر في