تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 195

مساهمون:

ص١٩٥
صاحبه بل يزيد نورها ، ويمكن أن ذهاب بصره غيرة اللّه عليه حين بكى لغيره ، وإن كان واسطة بينه وبينه . وقال سبحانه :
وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ
وما قال : عميت عيناه حجب عيني يعقوب عليه السلام عن النظر إلى العالم حتى لا ينظر إلى غير اللّه ؛ فرجع نور بصره إلى بصيرته ؛ فيرى بذلك جمال اللّه سبحانه ، لأجل ذلك قال :
وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ
. وتصديق ذلك ما قاله الشيخ أبو علي الدقاق - رحمة اللّه عليه : لم يكن في الحقيقة عمى ، وإنما كان ذلك حجابا عن رؤية غير يوسف عليه السلام . سئل أبو سعيد القرشي : لم لم تذهب عين آدم عليه السلام وداود عليه السلام من طول بكائهما ، وذهبت عين يعقوب عليه السلام ؟ قال : لأن بكاءهما كان من خوف اللّه ، وبكاء يعقوب عليه السلام كان من فقد ولده ، فحفظا وعوقب . وقال أيضا : بكاء الأحزان يعمي ، وبكاء الشوق يجلي البصر ، قال اللّه تعالى :
وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ
، وقال أيضا : الكظيم الممتلئ من الغم . وقال ابن عطاء : أراد أن يبكي على يوسف عليه السلام فتغرغرت عيناه ؛ فأراد أن يرسلها فوجد لذة البكاء ؛ فكظمها وردها في عينيه فابيضتا . ولي لطيفة مجربة وذلك أن كل نظير من جهة عشق الإنساني ؛ فداؤه وتعذيبه أشد من داء محبة اللّه وتعذيبه ؛ لأن في محبة الإنسان كثافة وشدة ؛ لأنه منزل الابتلاء والعذاب ، وفي محبة اللّه وعشقه لطفا وحلاوة ربانية لا يكون بإزائها راحة الجنان ، ولذلك هناك البلاء أطيب ، والمحبة أعذب ، فلما كان يعقوب عليه السلام في أشد المحبة وعظم المحبة تجلد في كظمها ، ولذا قال :
فَهُوَ كَظِيمٌ
؛ لأن هناك مكان الشكوى وشناعة ، ولولا أن كظم لفشى حاله أكثر مما فشي في العالم ، وصفه بالتمكين في تحمل البلاء ، ومن كثرة كظمه الحزن والتأوه احترق مسلك نور الباصرة من مكان الروح الناطقة ؛ لأن نور الباصرة تجري من نور روح الناطقة في أضيق طريق من شريان الدماغ ، فلما احترق السبيل انسد باب الباصرة ، وابيضت عيناه من احتجابها عن أنوار الروح ،

[ تفسير الآية 85 ]

فلما رأوه حين جدد عليه ذكر يوسف عليه السلام والأسف عليه وهم محجوبون من نور الفراسة في ذلك الوقت من استنشاق ريح يوسف عليه السلام أنكروا على أبيه في ذكر يوسف عليه السلام بقوله :
قالُوا تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ
لم تعلموا أن العاشق لا يزال ذاكرا لمعشوقه ، وكيف يسكن المحب عن ذكر محبوبه ، وهو مستغرق بجميع وجوده في ذكر محبوبه .
فإن تمنعوا ليلى وحسن حديثها * فلم تمنعوا عنّي البكا والقوافيا