تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 201

مساهمون:

ص٢٠١
ثم بيّن أنه تعالى إذا أراد أن يكرم عبدا ألهمه الصبر في بلائه والتقوى في عباده بقوله :
إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ
أي : من يتق في الخلوة عن متابعة الشهوة والوقوع في النهمة وصبر عن انقياد هوى النفس بعد جريان الهمة . قال ابن عطاء : من يتق ارتكاب المحارم ، ويصبر على أداء الفرائض ؛ فإن اللّه لا يضيع سعي من أحسن في هذين المقامين ، واعتمد على اللّه ، ولم يعتمد سعيه ولا علمه .

[ تفسير الآية 91 ]

ولما رجع يوسف عليه السلام إلى ذكره تفضل اللّه عليه وعلى أخيه ، وذكر توحيده أوقعهم اللّه ذلك إلى رؤية توحيد اللّه بقوله :
قالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا
رجعوا إلى اللّه في أول مقالتهم ، وذكروا فضله عليه ، ثم أتوا إلى مذمة أنفسهم أي : آثرك اللّه علينا بالخلق والخلق والحسن والجمال والملك والشرف والمكاشفة والعلم
وَإِنْ كُنَّا لَخاطِئِينَ
أي : جاهلين بجاهك . قال بعضهم : اختارك وقدمك علينا بحسن التوفيق والعصمة ، وترك المكافأة على الإشارة
وَإِنْ كُنَّا لَخاطِئِينَ
لمسيئين إليك ، فلما سمع يوسف عليه السلام اعتذارهم أرجع نفسه ونفوسهم إلى مقادير السابق ،

[ تفسير الآية 92 ]

ثم استعمل الكرم والظرافة في الخلق بقوله :
لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ
أي : هذا يوم الوصال وكشف الجمال ، يرفع العذاب ، لا يوم التعيير والتثريب ، وفي هذه الحالة إشارة إلى أن الأولين والآخرين إذا دخلوا في سابقة الكبرياء وسكت لهم ألسنة العذر ، يبسط اللّه سبحانه أوراق الأقدار والتي جرت في سبق السابق بما كان ، وما سيكون وتحمل أعمالهم جميعا على مطية القدر ، ويبرئهم عن الجرائم ، ويقول : من أفضاله وكرمه :
لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ
فإن أفعالهم جرت بمقاديري ، وكيف كنتم تدفعون مقاديري كأنه تعالى يضع العذر على القدر ، ويغفر لهم جميعا بقوله :
يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ
بيّن الجرم وغلب العفو والكرم على العتاب والمؤاخذة . قال جعفر عليه السلام : لا عيب عليكم فيما عملتم ، لأنكم كنتم مجبورين عليه ، وذلك في سابق القضاء عليكم . قال أبو عثمان : ليس لمن أذنب أن يعاتب مذنبا ، وكيف أعييكم ، وقد سبق مني الهم والاختيار للسجن ، وقولي :
اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ
وكيف ألومكم فيما عملتم وأنسى ما عملت ؟ قال شاه الكرماني رحمة اللّه عليه : من نظر إلى الخلق بعين الحق سلم من مخالفاتهم ، ومن نظر إليهم بعينه أفنى أيامه في مخاصماتهم ، ألا ترى إلى يوسف عليه السلام لما علم مجاري القضاء كيف